كتاب وشعراء

جارُ العُمرِ، حين يكونُ البيتُ قلباً.. بقلم: فتحي مصباحي – تونس

جارُ الدارِ ليسَ جداراً يُجاورُ جدارْ
بل روحٌ إذا ضاقَ صدري تُجيدُ الانتظارْ
هو أخٌ لم تلدْهُ أُمِّيْ
لكنَّهُ في الشِّدَّةِ يُولَدُ من دَمِيْ
يطرقُ بابي إذا طالَ السُّكونُ
ويقرأُ في صمتي حكايتي
يُعايدُ القلبَ قبلَ العيدِ
ويزورُني إن طالَ في دربي المللْ
يفرحُ لفرحي كأنَّ البِشرَ بستانُهُ
ويحزنُ إن انطفأَ في وجهي الأملْ
يمسحُ دمعي بكفِّهِ الصَّادقةِ
كأنَّ بيني وبينهُ شريانَهُ
إذا انكسرتُ كانَ كفَّاً تُرَمِّمُنِيْ
وإذا تعثَّرتُ كانَ ظلَّاً يُقدِّمُني
ذاكَ الذي عاشرني عشرَ بحيرةٍ
ورأى صمتي كما يرى كلامي
يقرأُ في عينيَّ سرَّ تعبي
حفظَ أسراري كما يُحفظُ الدعاءُ
في صدرِ ليلٍ خاشعِ السكونِ
لكنْ…
كم جارٍ يسكنُ بجانبي
كأنّ بيننا صحراءَ وبحراً من البرودْ
بيوتُنا جدرانُها متلاصقةٌ
وقلوبُنا في التيهِ غرباءُ بلا عهودْ
أمرُّ أمرُّ بجانبهِ كأنِّي غيمةٌ عابرةٌ
إنْ ضاقَ صدري لا يسمعُ أنيني
وإن طالَ ليلي لا يرى ليالي
ولا يعنيهِ شأني ولا أحوالي
فاخترْ إذا عزمتَ بناءَ دارِك
قبلَ الأساسِ… أساسَ الجوارْ
فالبيتُ يُبنى في شهورٍ قليلةٍ
والجارُ يبقى عُمرَ الأعمارْ
قد تُغَيِّرُ لونَ جدرانِك وتُبدِّلُ باباً أو ستارْ
لكنَّكَ إن ضاقَ صدرُكَ من جارِكَ
فلن تنقلَ الدارَ عن الدارْ
حُسنُ الجوارِ سكينةُ مسكنٍ
وطمأنينةُ روحٍ لا تُشترى
وسلامُ أيّامٍ وشهورٍ وأعوام وأمان
هو أن نكونَ لبعضِنا ظِلَّاً
إذا اشتدَّ القيظُ أو اشتدَّ التَّعَب
هو خبزٌ يُقسَمُ بين القلوبِ
وماءُ وُدٍّ وملحُ عشرةٍ لا يُنسى
هو أن نغلقَ أبوابَ الفتنِ
ونفتحَ أبوابَ الخير
ونصيرَ في الحيِّ عائلةً
يجمعُها المعروفُ والغير
فالدارُ دونَ جارٍ رحيمٍ
صوتُ صدىً في جدران بكماءْ
فالجارُ الطيِّبُ وطنٌ صغيرٌ
إذا ضاقَتْ بِنَا الأوطان

بقلم: فتحي مصباحي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى