
البرقية 2
ان جواب هذا السؤال يؤدي تلقائيا إلى تشخيص هوية أولئك الذين يدعمونه، ولكي نلخص الموضوع نكتفي بالإشارة إلى موقف خامنئي منذ طوفان الأقصى، وهو الامتحان الأكبر لحقيقة الشعارات الإيرانية حول فلسطين، ففي ذروة تنفيذ إسرائيل الغربية لعمليات التصفية الجسدية الشاملة لقادة حزب الله في لبنان ، وهو درة التاج الفارسي، أستنجد حسن نصرالله قبل مقتله وبقية نغول إيران في لبنان بخامنئي كي يتدخل لإنقاذهم من تلك الحملة الرهيبة، التي دمرت ما بنته إيران طوال أكثر من 40 عاما،فماذا كان رد خامنئي ؟
الجواب بقدر ما كان صادما لنغوله العرب كان كاشفا لحقيقة النظام، فقد قال ب(أن إيران لا تقاتل من أجل الآخرين) ! وكان ذلك الزلزال الأول الذي ضرب هؤلاء النغول الذين باعوا عروبتهم، إن كانوا عربا، وسخروا طاقاتهم كلها لخدمة المشروع الاستعماري الفارسي في الوطن العربي. وكان خامنئي قبل ذلك قد أمر حزب الله بأن لا يتجاوز حدود ما سمي إسرائيليا وأمريكيا ب(قواعد الاشتباك) حيث فرض على حزب الله أن يكتفي بالمناوشات الحدودية ولا يتعدى ذلك إلى قصف فلسطين المحتلة في الداخل، وكان لدى حزب الله حسب ادعاءات حسن نصر الله أكثر من 15 ألف صاروخ وكان يهدد بها بحرق إسرائيل الغربية وضرب عمقها، وهذا المنع ادى إلى نجاح إسرائيل في تدمير أكثر من 90% من أسلحة هذا الحزب وقياداته الأعلى!
وما دفع خامنئي لمنع المقبور حسن نصر الله من توسيع الاشتباكات لحماية حزب الله هو حرصه على عدم زج الدولة الإيرانية في الصراع مع إسرائيل مباشرة، وهذه هي الترجمة الرسمية الوحيدة لقوله إن إيران لا تقاتل من أجل الغير.وتلك ملاحظة جوهرية يجب أن يأخذها الجميع بنظر الاعتبار لأنها تنسف أي ادعاء بأن خامنئي ونظامه يعملان من أجل فلسطين أو الدخول في صراع رئيسي مع الكيان الصهيوني.
أما الملاحظة الثانية المكملة في معناها ومبناها لهوية النظام الإيراني الحالي، فهي ما قاله خامنئي أيضا بعد ذلك حينما اشتدت المعارك ووصلت دماء حزب الله إلى الركب في لبنان نتيجة الابادة الإسرائيلية لقادته بلا رحمة، والذي ما ينهي كل غموض حول هوية النظام الإيراني: (إن معركتنا الكبرى هي بين جبهة الحسينيين وجبهة اليزيديين، وأن الحرب بينهما ستستمر حتى انتصار جبهة الحسينيين) ! لماذا قال خامنئي ذلك؟
قاله أولا لتذكير أمريكا وإسرائيل إلى ألقاسم المشترك الذي يربطهم، بعد أن تمادت إسرائيل في قتل قادة الفرس وضيوفهم داخل إيران، فتأكيد خامنئي إن الحرب بين جبهة الحسينيين وجبهة اليزيديين معناه الواضح والدقيق هو أن الصراع الحالي هو بين السنة والشيعة وهذا هدف مركزي في مخطط برنارد لويس، الذي أقره الكونجرس الأمريكي في عام 1982 ،كما أنه الجزء المقوم في خطة عوديد ينون الذي كان مستشارا لمناحيم بيغن رئيس وزراء إسرائيل والمسماة (ستراتيجية لإسرائيل في الثمانينات)، والتي أكد فيها أن هدف إسرائيل في الوطن العربي هو نشر الفتن الطائفية ودعم خميني في سعيه لإسقاط نظام صدام حسين في العراق وهذه حقيقة موثقة وثابتة.
وما سبق يجعل ما قاله خامنئي من ان الصراع الحالي هو صراع بين اليزيديين و الحسينيين مطابقا تماما للخطتين الإسرائيلية والأمريكية تجاه الوطن العربي، واراد بهذا الكلام أن يقنع إسرائيل وأمريكا بالتوقف عن استهداف إيران. كذلك فإن قول خامنئي كان اعترافا بما أخفي لأكثر من أربعة عقود منذ طرح الخميني شعار (نشر الثورة الإسلامية) للتغطية على هذا الهدف الحقيقي والاستراتيجي. وإذا اكتفينا بهذا فإنه يؤكد بان أي ملمح تحرري ولو جزئي في سياسات ما يسمى ب(جمهورية إيران الإسلامية) معدوم تماما، فهي بهذا الواجب ليست اكثر من إسرائيل الشرقية المكملة لإسرائيل الغربية، فكلاهما تعاديان العرب وتعملان على تدمير دولهم وغزو أراضيهم والاستيلاء على ثرواتهم.
وبناء على ما تقدم فإن الحرب الدائرة الآن ليست بين قوى تحرر وبين الاستعمار والصهيونية بل هي صراع بين قوى استعمارية كلها تريد احتلال الأقطار العربية ونهب ثرواتها ومحو الهوية القومية العربية وإحلال هويات فرعية قائمة على الطائفة والعرق والمناطقية، وهذا هو المشروع الاستراتيجي الأعظم المشترك للأطراف الثلاث أمريكا إسرائيل الشرقية وإسرائيل الغربية.
وفي صراع مثل هذا يجب أن يقف الأحرار وهم يرفعون شعار: (دع الفخار يكسر بعضه البعض الآخر)، والمثل العراقي الذي يقول (دعوا تأكل نارهم حطبهم) فلسنا طرف في هذا الصراع، ولا نقف مع اي طرف فيه، لانهم كلهم اشرار واعداء لامتنا وللبشرية ، وما يهمنا منه أن تنتهي الأطراف الثلاثة مستنزفة مهزومة ساقطة ولا يخرج منهم أي منتصر.