موسيقى الأحزان وشجن الشعر من خلال المجموعة الشعرية ( كأني قاب آه أو أقل ) نموذجا للشاعرة التونسية منية بن صالح ….بقلم الهادي عرجون

عند أول الدهشة وآخرها، عند أول الشعر وآخر سكرات المخاض، عند شفاه القصيدة وهي تتعرى تغري قارئها كي يولي وجهه تجاه تفاصيل السؤال لينبع من سلسبيل الكلمات قصائد تحمل الحزن في يديها، حين تمر على صفحاء الكتاب، ينبعث من جانب النص حلاوة المعنى وقلق الشعر وأحزان الكلمات حين تطل الشاعرة منية بن صالح من شرفة الشعر بمجموعة من القصائد تنوعت بين القصائد الموزونة المقفاة التي التزمت بعمود الشعر، حين وشت نسيج كلماتها في مجموعتها الشعرية التي اختارت لها من العناوين (كأني قاب آه أول أقل)، وقد صدر الكتاب عن دار المغاربية لطباعة وإشهار الكتاب، نصوص عزفت على أوتار حزينة يضيق قلب الشاعرة بها فتنفثها ليكون البديل اتساع الكلمة ورحابة الشعر.
في البداية لابد من أن ننطلق من عتبة العنوان (كأني قاب آه أول أقل)، فالعنوان لا ينطق عن الهوى ولا يأتي لمجرد تسمية الكتاب بمسميات عابرة، بل يأتي لإثبات شيء واقع في نفسية الشاعرة التي تريد أن ضع القارئ أمام نصها من خلاله.
وقد تنوعت قصائد الديوان من حيث الغرض، فنجد العاطفي، والوطني، والسياسي، والاجتماعي، كما تتناسق وتجتمع الأغراض في قصيدة واحدة بانسيابية مدهشة. فالشاعر يعبر عن خوالج النفس يتحدث عن تجربة ذاتية تعبر عن تجارب وأحاسيس جماعية.
كما أن الكتابة الشعرية تستوجب تنوعا في الأسلوب والإيقاع إلا أنها تختلف في تصنيفها من حيث مواضيعها مهما تنوعت الأشكال وتعددت المواضيع فهي تجربة حياتية غير مخصوصة منفتحة على القارئ. فالخصائص الفنية للديوان تتجلّى في وحدة الموضوع وتنويعاته وتكامل بنائه العضوي والفنّي رغم وجود بعض القصائد المركبة التي تعكس الحالة الواقعية التي تعيشها الشاعرة.
والمتتبع لمعجم الكتابة الذي اعتمدته الشاعرة يلاحظ ذلك الكم الهائل من المشاعر في دفتي الكتاب لنكتشف معها أن القصيدة ليست مجرد كلمات فحسب بل هي إحساس متجسد في روح الشاعرة وكلماتها وأنفاسها، تعبر من خلاله عن ذات قلقة حزينة تنهشها الاحزان تحاول التخلص منها بالكتابة، لتنفث ما تقاطر من حزنها وتلقي به على بساط من الآهات.
آهة أو أقل تنفثها شعرا سائغا للقارئين ” تلك حدود البوح فاقربوها لتقرؤوني”(ص8). حيث ترسم جغرافية مرور القارئ عبر ثنايا نصها وشجون كلماتها، لتنسج بـكلماتها بساط الذكرى والحزن والقلق.
فقد اعتمدت الشاعرة منية بن صالح على التكرار الذي يعتبر خاصية لغوية وظاهرة جمالية لا غنى عنها في تأسيس شعرية النص الابداعي وهو ما يجعل النص يتحوب عبر النسق العلائقي إلى طاقة ابداعية تعبيرية، تجعل من النص يحمل زخما إيحائيا ونفسيا بالاضافة إلى الايقاع الموسيقي الذي يأتي من خلاله، فضلا عن الدلالة التي تفرض وجودها وهيمنتها عن طريق التكرار
فمن خلال تصفحنا لمجموعتها الشعرية (كأني قاب آه أول أقل)، نلاحظ أن الشاعرة في زخرف نصها اعتمدت على تكرار العبارات والألفاظ التي تعبر عن قلق وجودي ونفسي حزين لاشعوري أخذ من الهندسة الروحية للشاعرة أثناء بناء نصها حيث نجد تكرار عدد من الألفاظ والكلمات التي تعبر عن الحزن والوجع والتي تظهر من خلال تكرار ثيمة (الحزن) أكثر من 18 مرة في أكثر من موضع معتمدة على جنسنة اللفظ وإعطائه روحا إنسانية وأوصاف أخرى حسية كما في قولها:
” ما كنت أدري أن جرحك قاتلي *** وأني سأقضي طي حزن على حزن” (ص27)
لتزدحم فيها المشاعر بالإيقاع والوجع بالألم والطبيعة بالجمال فتكون النصوص أقرب إلى آهات منها إلى نغمات حين تظللنا الشاعرة بسحابة سوداء قاتمة من القلق والحزن انعكست على كامل صفحات الديوان فبدا معجم الحزن والوجع طاغيين على نصوص الكتاب، فمن النصوص الاولى يتحرك ذلك الخيط الفاصل بين النص ونفسيتها المضطربة لتتجلى ثنائية الحزن والوجع لتحملنا وتسافر بنا نحو رؤية ونفس يعبق برائحة (الوجع) التي تكررت بدورها أكثر من 21 مرة باعتبار مختلف إشتقاقاتها اللفظية (المواجع/ أوجعوني/ توجعت) ويظهر ذلك من خلال قولها:
” توجعت حتى صرخت بروحي
أفيقي، كما لا يشاؤون،
كوني” (ص139).
وقد سردت لنا الشاعرة آلامها بطريقة فيها الكثير من الوجع حتى أنها باتت تسرد لنا أقساط الوجع وهي تحمل حقائب الأحزان تنتقل من وجع إلى وجع ليكون (الجرح) الثيمة التي تكررت أكثر من 31 مرة، جرح غائر في فلك كون شعري فسيح اختارت له من جميل الشعر عموده فجاء في سلاسة وانسيابية متقنة. ليظهر من خلال قولها:
” وكم تدعي السلوان والشوق جائر *** وتفضحك الآهات ما دمت مغرما
ألا يا رفيق الجرح والجرح غائر *** وكيف لشهد الوصل يصبح علقما” (ص58).
لتخفف من آلام هذه الجروج وآهات الوجع تلتجئ الشاعرة إلى البكاء، البكاء دمع، والدمع ماء، والماء يأسرنا لفظا وروحا وسلسبيلا في جريان الألفاظ كجريان الدمع، لفظة تكررت 22 مرة في عدة مواضع من المجموعة، ليكون الانسياب الشعري الذي أضفى على مشاعرها وأحاسيسها جملة من الغايات وطقسا من الطقوس له رمزيته ودلالته للتنفيس عن النفس حين تقول الشاعرة:
” دمع الثكالى ليس يعقله الذي *** لم يدر معنى أن تصاب بفلذتك
كمدا يموت الحلم في أحداقنا *** وعلى شفاه الموت تردى بسمتك” (ص87).
كما اعتمدت الشاعرة على تكرار ثيمة (القلب)، التي تكررت حوالي 44 مرة، القلب تلك المضغة التي تحرك في داخلنا تلك الاستجابات المختزلة والدلالات التي تخاطب فينا إيقاع الوجع من خلال معجم الحزن ولحالات من الحيرة والقلق والوحدة، دون أن يعني ذلك استسلاما كليا لهذه الذات القلقة أمام مختلف الحالات والأوضاع المعاكسة لرغائبها وهو تكرار متعمّد في الديوان مرده الإيقاع السريع للألفاظ والكلمات مع كثافة الصور، تقول الشاعرة عن قلبها:
” قلبي الذي ألف الصلابة ذات من *** سحر كقطعة سكر بمدامه
قلبي ويا للقلب إن عزف الهوى *** ضجت محاريب الجوى بقيامه” (ص52).
وبما أن التكرار في الشعر الحديث يهدف لاستكشاف المشاعر الدفينة وتبيين الدلالات النفسية والوجدانية لدى الشاعر، ويظهر ذلك من خلال تكرار الكلمة في صور مختلفة، تتمثل الصورة الأولى في تكرار نفس اللفظ في بداية كل مجموعة من أبيات القصائد أو في وسطها أو نهايتها ويكون التكرار بشكل متتابع حيث يؤدي إلى دلالات معينة ليعبر عن همومه ولإثارة إحساس المتلقي. فقد اتعمدت الشاعرة على تكرار اللازمة الشعرية و التي تتجلى من خلال تكرار عدد من الكلمات مثل : (أتراك/لا تلتفت/ دعهم/ تسلل كالصباح/ أقول غدا/ أنا يا والدي/ خذني/ ما عاد/ يا ليت يدرك/ أنزار عذرا …).
ونظرا لأهمية التكرار فقد أشار كثير من النقاد الغربيين والعرب وتعددت تسمياته مثل تسميته بالتكرار أو التواتر والتردد، والتي عبر عنها الدكتور صميم إلياس كريم بقوله: ” وتكمن شاعرية التكرار وقيمته الإيقاعية والدلالية بخاصة في أن مبدع النص/ الشاعر يحاول الاتكاء على تقنية التكرار أن يكشف لنا عن الأمور والأشياء والنوازع التي يعني بها أكثر من غيرها، فهي عباراته لأنه تشكل مرآة صادقة تعكس ما يخالج الشاعر ويعتري وجدانه “(1).
إنه تكرار فني، يستدعي التأويل، ويغتني بإيقاعات تفصح عن انفعالات داخلية، سواء كانت انفعالات الشاعر التي نحس بها من خلال تصاعد المؤثر الدرامي أو من خلال استجابات القراءة، حيث ينبع من إيقاع ذاتي، فتكون ذات المتلقي متوازية مع ذات الشاعر، فتتحقق المشاركة بينهما في الوصول إلى مدلولات التكرار في النص الشعري.
كما يمكن القول إن توظيف الشخصيات التراثية والأدبية في شعرنا المعاصر مرده عوامل ثقافية وفنية واجتماعية وسياسية وكذلك عوامل نفسية ظهرت على ملامح القصائد التي أظهرت غربة الشاعرة بكل ما فيها من معاناة وقلق شعري، فظهر التناص الشعري في نص إعتذار لأبي القاسم الشابي من خلال نصه (إرادة الحياة) حين تقول:
” عذرا أبا القاسم…
فما الشعب عاد يريد الحياة *** وما عاد يعنيه رسم القدر
وما عاد يعشق وجه الضياء *** وما عاد يهوى ركوب الخطر” (ص106).
وكذلك مع قصيدة الشاعر السوري نزار قباني حين عارضت قصيدته (يا تونس الخضراء) بقولها:
” أنزار كيف وهت بنا الاسباب *** واسابقت في نهشنا الأنياب
أنزار ضقنا … والمصائب جمة *** هل، بعد أولى القبلتين، مصاب” (ص111).
وبما أن الشعر نتاج للمشاعر والأحاسيس فقد أفرز لنا شعرها جملة من العواطف الكامنة المفعمة بلحظات الألم والحزن والوجع في أغلب نصوصها التي بدت تقودنا إليها موسيقى الشجن والقلق والحزن. ومع هذا فلا تخلو قصائدها من الغنائية والتي من شأنها أن تجعل قارئ المجموعة يشعر بالصدق من خلال عزف الشاعرة على أوتار الروح والوجدان.
وعلى الرغم من ذلك فلا تنسى الشاعرة منية بن صالح هموم الأمة وأوجاعها فهي إن عبرت عن ذاتها في بعض النصوص فإنها تعبر عن هموم المجتمع، من خلال استجلاء القضايا الاجتماعية والانسانية وقضايا الوطن والامة، والتي تحتل (الذات) فيها موقعا مركزيا ودلاليا خاصا، في تصويرها للذات البشرية عموما، ولحالات من الحيرة والقلق والوحدة والشعور بالحزن والوجع.
وفي الختام يمكن القول أن آهة الشاعرة منية بن صالح وآهات حزنها تلامس الواقع وتطل علينا من عتمة ذكرياتها إلى حلم التألق والسفر فوق الغيوم لترحل عبر الأمنيات من نورها ونبيذ حزنها و تلهب زفير الكلمات وتكشف ذاتها وواقعها بسرد حالات وجدانية تلامس الواقع وتعبر عن واقع مجتمعي انطلاقا من سيرة وأحاسيس خاصة.
نصوص حزينة يضيق قلب الشاعرة بها فتنفثها على صفحات الكتاب كآهة تحاول من خلالها أن تنطلق من عوالم القلق الشعري إلى عوامل المتنفس الشعري حين تنساب الكلمات بين شفاه القوافي ليرتفع مدها في صدر البيت وينخفض في عجزه. فالشاعرة التي تعبت عواطفها وتبحث عن راحة نفسية تقودها إلى مكان ترتاح فيه عواطفها من مطارات الحنين محملة بزخم الذكريات، تلك الذكريات التي دعتها للحلم والحياة رغم جبل الأحزان.
——————————————————–
(1)- صميم إلياس كريم: التكرار اللفظي و أنواعه و دلالاته قديما وحديثا (رسالة دكتوراه)ص138، جامعة بغداد كلية التربية ابن رشد،1988.