
لم يقم الرئيس ترامب ــــــــــــ المفترى عليه ـــــــــ بعمل لم يكن مخططا وموجوداً في ” خطة العمل الاستراتيجية” للولايات المتحدة التي صاغها صقور البيت الأبيض، وكل ما فعله ترامب هو انه نزع عنها المثالية والمراوغة وتحدث بمكبر الصوت وتصرف كما في الوثيقة من سياسة احتواء النظم المعادية الى سياسة التفكيك عن طريق الحرب، العقوبات الاقتصادية أو الغزو ، أو الحصار السياسي والاقتصادي.
سياسة الاحتواء الامريكية تبنتها خلال الحرب الباردة للحد من نفوذ الاتحاد السوفيتي دون الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة، واعتمدت على الضغوط الاقتصادية، الأحلاف العسكرية، والحصار والحرب الاعلامية واعمال التجسس وحروب الوكالة ودعم وانشاء منظمات جهادية اسلامية في الحرب خلال التدخل السوفيتي في افغانستان ثم التخلي عنها نهاية الحرب كما تفعل دائما مع منظمات ارهابية منتهية الصلاحية.
كل ما فعله ترامب هو انه كسر ” تقاليد النخبة” الامريكية والتمشدق بالحرية والديمقراطية وتحدث بلغة صريحة عن كلفة الحروب وعن دور” شركاء المنطقة” في تحمل التكاليف عكس نخب الحكم السابقة، وتحدث بلغة المصالح وطبق وثيقة التوجهات السرية لكن بطريقة علنية وصاخبة وهو الفارق الوحيد بينه وبين ما قبله.
الأهداف الاستراتيجية في الوثيقة التي وجدها ترامب على مكتبه تنص باختصار على منع ظهور قوة دولية أو اقليمية منافسة وتطمح الى عالم احادي القوة والى العمل خارج نطاق الأمم المتحدة ـــــــــــــــــ كما حدث في غزو العراق ـــــــــــــ وحماية المصالح في الشرق الأوسط وبقاء الولايات المتحدة كقوة هيمنة وحيدة في الخليج.
لم تكن مجرد خارطة طريقة بل مانفستو شرّع لعالم أحادي القطب. الوثيقة تحدثت عن ” النظم المارقة” أو” غير المنضبطة وغير الموالية للغرب” وحددتها بالاسماء كالعراق وكوريا الشمالية وايران ولم تتحدث عن النظم العائلية في المنطقة لانها حليفة مما يعني ان جوهر الخلاف لا على الديمقراطية بل النفوذ والمصالح وسبق لها عبر تاريخها ان دعمت نظما دكتاتورية وانقلبت على نظم ديمقراطية كما في تشيلي في عام 1973 في الانقلاب على الرئيس الشرعي سلفادور الليندي من قبل الجنرال بينوشيه بدعم وكالة المخابرات الامريكية والانقلاب على الدكتور مصدق في ايران عام 1953 وعلى الكثير في كل القارات.
بعد نهاية الحرب الباردة انتقلت أمريكا من سياسة الإحتواء الى التفكيك.
لم يكن الهدف رأس النظام فحسب بل تفكيك الدولة والمجتمع واعادة صياغتهما من جديد وتحويل النظام الى حليف تابع من خلال الخصخصة والاستثمارات وربط الاقتصاد الوطني بالمصرف الامريكي عبر نظام سويفت كما في العراق، أي التحكم بموارده المالية.
تفكيك الجيش وبناء قوة محلية للأمن والشرطة ومكافحة الارهاب بلا سلاح ستراتيجي ولا قوة جوية حديثة لجعلها تحتاج الى “حماية” امريكية دائما وهي طريقة التفافية للهيمنة بل تمارس الاغتيالات من الجو بالانابة عن الدولة بذريعة مكافحة الارهاب كما لو ان قتل المتهم من الجو في بيئة سكانية مدنية بلا محاكمة ليس ارهاباً.
لكن الوثيقة كانت ” متفائلة” كثيرا لأنها لم تركز على ما بعد سقوط النظام وتفكيك السلطة والدولة والمجتمع وفرض نموذج غربي في مجتمع بهويات دينية وتاريخية وثقافية مختلفة ومن نتيجة ذلك الفوضى والجماعات المسلحة والدولة الفاشلة واضعاف الدولة المركزية وظهور كيانات فرعية تتصارع بينها وتمدد النفوذ الاقليمي.
الوثيقة تركز على سياسة الاحتواء والعقوبات الاقتصادية للنظام العدو حتى يسقط النظام وينهار على مدى طويل لكن ترامب غير سياسة الصبر الاستراتيجي بعقلية تاجر الصفقات وانتقل الى سياسة التفكيك والحرب لكن اذا كانت سياسة الاحتواء نجحت مع السوفييت، لكن نتائج التفكيك كارثية في العراق وافغانستان وسوريا وليبيا وعلى أمريكا نفسها.
سياسة الاغتيالات المتبعة في دورة ترامب الاولى والثانية سياسة مخطط لها ومنهجية في” وثيقة التوجهات السرية الامريكية” بذريعة الأمن القومي الامريكي كما ان ظهور مفهوم” الفوضى الخلاقة” لم يكن في عهد ترامب بل في عهد بوش الأب الذي أقر وخطط للوثيقة ويهدف التفكيك الاجتماعي وضرب النسيج الموحد السابق لضمان عجزه عن العمل كقوة موحدة من خلال خلق تيارات سياسية وطائفية متصارعة على الثروة والسلطة.
لا يعترف ترامب بشرعية وقوانين دولية وهو ما تنص عليه الوثيقة، أي العمل خارج نطاق الأمم المتحدة من خلال تسويق مفهوم” الضربة الاستباقية ـــــــــــــــ كما في حالة الحرب اليوم مع ايران ـــــــــــــــــ واستعملت الاغتيالات كأداة لتفكيك النظم في كل التاريخ الامريكي لكن النتائج غالبا عكسية في صعود بدائل اكثر تطرفا وتشددا وصناعة الرمز والشهيد لأن الاعتقاد الأمريكي السائد ان سياسة قطع الرأس تؤدي الى الانهيار لأنها شخصانية واحداث فراغ في السلطة مما يحرض على الانشقاق وتحطيم قاعدة الولاء.
رغم كون الاغتيالات سياسة مختصرة لكن نتائجها ليست كما خطط لها على الورق في مجتمعات تنظر للموت بطريقة رمزية مختلفة ويتحول المستهدف الى رمز وفي حال الانهيار تندلع حرب أهلية كما في ليبيا وفي دول اخرى.
في كل محاولات الاغتيال ــــــــــــ قطع الرأس ـــــــــــــ في قارة افريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية تكتشف الولايات المتحدة متأخرة ان القوة لا تبني نظاماً وان النظام ليس شخصا بل بنية اجتماعية وثقافية لان” القائد أو الزعيم” في المجتمعات الشرقية ليس كائنا من فراغ بل نتائج قوى وتحالفات عشائرية أو صراعات طائفية وتاريخية واحزاب سياسية والاغتيال او القتل يبقي مصالح تلك القوى مشتركة قائمة وهذه تعيد انتاج نسخة جديدة من القائد للحفاظ على النفوذ.
المجتمع الذي تربى على سلطة مركزية سيجد نفسه يبحث عن قائد ـــــــــــ وليس مؤسسة قائدة ــــــــــــ لسد الفراغ وفي مجتمعاتنا يفسر الاغتيال على انه اهانة للكرامة الوطنية. ترامب يمارس هذه السياسة كما في الوثيقة لكنه وقع في الخطأ نفسه إن التفكيك عبر الاغتيال لن يبني دولة جديدة بل سيخلق ظروف صراع اهلي مسلح في مجتمع من قوميات واعراق واطياف مختلفة او يوحد المجتمع.
الاغتيالات قضية استخباراتية بوليسية تتم في أجواء هوليودية سينمائية صاخبة لكنها تحطم جوانب من النظام لكنها تبقي على نظام التشغيل الاجتماعي والثقافي الذي يحتاج الى سنوات للتغير بدل رصاصة و قنبلة أو طائرة مسيرة.
الدولة شبكة معقدة من مصالح وروابط دينية وقبلية وسياسية وطبقية تصب في النظام السياسي وبدل ان يكون الاغتيال اختصارا للوقت يتحول الى حرب استنزاف او مقاومة او ظهور منظمات مسلحة في صراعات دموية.
قد تقتل الرصاصة القائد لكنها لا تقتل الظروف التي ولد ونشأ فيها وتمتلك قدرة انتاج غيره بالآلاف عكس المعيار الغربي للدولة على انها عقد اجتماعي، الدولة في المجتمعات العربية والاسلامية هوية دينية أو قبلية أو قومية أو سياسية لا تتأسس على عقد اجتماعي بل على أعراف أو على القوة او الولاء .
عند سقوط النظام لن يذهب الناس فورا الى صناديق الاقتراع بل لنهب مخازن السلاح ـــــــــــــــــ نُهبت أكثر من 50 مليون قطعة سلاح بعد حل الجيش العراقي ـــــــــــ وتحويل تفكيك السلطة الى ” عسكرة المجتمع” والعودة الى الهويات الفرعية.
من يعتقد أن ترامب ليست عنده خطط بديلة وسياسة خروج من هذه الحرب عليه مراجعة نفسه بشرط ألا ينظر للحرب بعقل مختلف ورؤية مختلفة.
إن سياسة” الخروج” بالنسبة لترامب لا تتعلق بمفاهيم الهيبة والنصر والهزيمة وهو يستطيع صنع النصر في خطاب، لكن سياسة الخروج من الحرب هو ترك البلاد في حالة فوضى وحالة سيولة وفشل في ادارة أزمات داخلية وضعف وتشديد سياسة العقوبات الاقتصادية ووضع الدولة في نظام “سويفت” (SWIFT) ــــــــــــــــ تحكم المصرف الفيدرالي الأمريكي بأموال الدول ـــــــــــــ هو محاولة لتفكيك قدرة النظام على إدارة شؤونه ” وهو “عمل قذر” بأسلوب ناعم يحل محل القنابل”.
إن شعار” أمريكا أولاً” لم يكن من اختراع ترامب بل هو نسخة منقحة بصياغة لغوية جديدة من شعار” التفوق الأحادي” الذي نصت عليه وثيقة العمل الاستراتيجية منذ عام 1992 كالعمل المنفرد خارج كل قانون دولي كالانسحاب من اتفاقية المناخ ومن انهاء الاتفاق مع ايران والحرب عليها.
كل ما فعله ترامب “المفترى عليه” انه نزع الشعارات المثالية المزيفة عن الديمقراطية والقانون والحقوق وتحدث باللغة الحقيقية، لغة المصالح، وهذا هو الاختلاف الوحيد بينه وبين النخب القديمة المعارضة التي كانت تعمل الأفعال نفسه لكن بتغليفها بشعارات لخداع الشعوب.
ترامب قرر أن يقرأ ” الوثيقة” بصوت مرتفع أمام العالم وينفذها حرفياً وهو لم يخترع السيطرة المالية والسياسية والاقتصادية وسياسات اذلال الشعوب بل نزع القناع الذي كان يرتديه أسلافه.
ــــــــــــــــــــ هوامش:
1 ــــــــــــ تُعرف “وثيقة التوجهات السرية الأمريكية” باسم “مُسودة إرشادات تخطيط الدفاع” (Defense Planning Guidance) لعام 1992، والتي تسربت إلى صحيفة “نيويورك تايمز” وأثارت ضجة هائلة حينها. تعتبر هذه الوثيقة حجر الزاوية لما عُرف لاحقاً بـ “عقيدة ولفويتز ” نسبةً إلى بول ولفويتز الذي كان يشغل منصب وكيل وزارة الدفاع للسياسات آنذاك وفي غزو العراق الذي يرجح كثيرون انه وزلماي خليل زادة الذي عين سفيرا في العراق بعد الاحتلال من كتب تلك الوثيقة وهم من عتاة دعاة الحرب والتطرف.
يمكن العثور على هذه الوثيقة في كتاب” نادي القتلة: وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية”لـلمفكر الألماني مايكل أوبرسكالسكي. مترجم للعربية. قال الكاتب محمد حسنين هيكل إنه صُدم عندما قرأ الوثيقة التي تتعلق بصنع مصيرنا ونحن لا نقرأ هذه الوثائق.
2 ـــــــــ”أثبتت التجارب اللاحقة (خاصة في العراق وليبيا وسوريا) أن الوثيقة كانت “متفائلة” جداً بشأن ما بعد السقوط؛ حيث ركزت على تحطيم النظام القديم لكنها أغفلت تعقيدات بناء الدولة، مما أدى إلى فوضى وحروب أهلية بدلاً من “النظام المنضبط” الذي طمح إليه صقور البنتاغون”.
3 ـــ في 15 / 2/ 2003 كتبنا مقالة موسعة عن “وثيقة التوجهات السرية” قبل الغزو بشهر وفي 13/ 7/ 2003 بعد الاحتلال نشرنا مقالة ثانية عن الوثيقة كتأكيد لتوقعاتنا السابقة.