
بمناسبة إشارة دونالد ترمب إلى بيرل هاربر اليوم.. فالكلام عن اليابان والولايات المتحدة يفتح بابا لفهم جزء عميق من العقل الاستراتيجي الأميركي.
لكن دوما في سؤال فيه الإجابة؛ كيف تحولت اليابان، الدولة التي هاجمت الولايات المتحدة في بيرل هاربر ثم تعرضت لهيروشيما وناغازاكي، إلى أهم حليف أميركي في آسيا؟
السؤال لا يتعلق بالمصالحة (الودية)، بقدر ما يتعلق بطريقة تفكير واشنطن نفسها في القوة والحرب وإعادة تشكيل الدول بعد هزيمتها.
الجواب المباشر هو أن التجربة اليابانية علمت واشنطن أن التدمير الهائل لا يمنع التحالف اللاحق، بل قد يكون بدايته إذا تغيرت المصلحة الاستراتيجية. بعد هزيمة اليابان عام 1945، قادت الولايات المتحدة احتلالها بين 1945 و1952، وفرضت عليها إصلاحات واسعة عسكرية وسياسية واقتصادية واجتماعية.
في البداية كان الهدف هو معاقبة اليابان ومنع عودتها كقوة عسكرية.
لكن وزارة الخارجية الأميركية نفسها تشرح أن الاحتلال مر بثلاث مراحل.. العقاب والإصلاح أولًا، ثم إحياء الاقتصاد، ثم عقد معاهدة سلام وتحالف.
هذه النقلة تقول إن الدولة التي سُحقت بالقوة يمكن، في التفكير الأميركي، أن تتحول سريعًا من “عدو يجب كسره” إلى “شريك يجب بناؤه” إذا اقتضت الضرورة.
في البداية، كانت الولايات المتحدة تريد إضعاف اليابان بعد الحرب حتى لا تعود قوة عسكرية من جديد. لكن مع نهاية 1947 وبداية 1948، تغير التفكير الأميركي. السبب لم يكن تعاطفًا مع اليابان، بل لأن الظروف الدولية تغيرت.. الاقتصاد الياباني كان في أزمة، والشيوعية كانت تتوسع، والصين كانت تقترب من السقوط في يد الشيوعيين.
عندها رأت واشنطن أن اليابان لم تعد مجرد عدو مهزوم، بل يمكن أن تتحول إلى حليف مهم في مواجهة الاتحاد السوفياتي والشيوعية في آسيا. لذلك انتقلت السياسة الأميركية من إضعاف اليابان إلى إعادة تقويتها.
يظل النموذج الياباني حاضرًا في التفكير الأميركي لسنوات طويلة.
مثلا في 2003، أصدرت مؤسسة RAND دراسة بعنوان “دور أميركا في بناء الدول: من ألمانيا إلى العراق”، وقدمت فيها اليابان كواحدة من أهم النماذج التي يمكن الرجوع إليها عند التفكير في إعادة بناء دولة بعد الحرب.
الأهم (وربما يمكن إسقاطه على حالة إيران) أن RAND لا تشرح نجاح الحالة اليابانية بالحديث فقط عن الدستور أو الاقتصاد، بل عن طريقة الإدارة الأميركية نفسها. فهي تقول إن إعادة بناء اليابان كانت أسرع وأسلس وأسهل من الحالة الألمانية في نواحٍ كثيرة. لماذا؟ لأن واشنطن لم تبدأ من الصفر. بل استخدمت المؤسسات اليابانية القائمة بدل هدمها بالكامل وإعادة اختراع الدولة. راند تشرح أيضًا أن الولايات المتحدة أبقت على الإمبراطور، لا لأن ذلك كان موقفًا مبدئيًا، بل لأن خبراء أميركيين رأوا أن الإبقاء عليه سيكون وسيلة منخفضة الكلفة ومنخفضة المخاطر للحكم وتسهيل الاحتلال. ثم اقتنع ماك آرثر نفسه بأن الاحتفاظ بالإمبراطور سيساعد على إنجاح الاحتلال.