كتاب وشعراء

بين اختلاف الهلال وسعة الرحمة: قراءة أخرى في جدل الصوم والعيد . بقلم الاعلامية دعاء الصالح

بين اختلاف الهلال وسعة الرحمة: قراءة أخرى في جدل الصوم والعيد

ما بين اختلاف المسلمين في تحديد بدايات شهر رمضان ونهاياته، وما بين دعوات توحيد الصف الإسلامي، يطفو على السطح كل عام جدلٌ واسع، يتراوح بين الغضب والاستنكار، وبين محاولات الفهم والتبرير.

يطالب كثيرون بأن يصوم المسلمون يومًا واحدًا ويفطروا يومًا واحدًا، معتبرين أن وحدة التوقيت هي انعكاس لوحدة الأمة. غير أن هذه النظرة، رغم وجاهتها الظاهرية، تغفل بُعدًا أعمق في طبيعة هذا الاختلاف، كما أنها لا تُلغي أن توحيد الصيام والعيد مقصدٌ مهم في الشريعة، وإن كان قد يتعذر أحيانًا.

في جوهر الأمر، لا يكمن الاختلاف في كونه خللًا، بل قد يكون تجليًا من تجليات الرحمة الإلهية. غير أن هذا لا يعني أن كل اختلاف يُمدح لذاته، أو يُعد رحمةً على إطلاقه، بل هو أمر يُقبل عند الحاجة، وفي إطار منضبط لا يخرج عن أصول الشريعة.

فالدين الإسلامي، في كثير من أحكامه، لم يُبنَ على الصرامة المطلقة، بل على اليسر والتوسعة، دون أن يكون ذلك بابًا للفوضى أو التسيب.

رؤية الهلال، أو عدم رؤيته، ليست قضية قطعية مغلقة، بل هي مجال للاجتهاد، وقد أرشدنا النبي ﷺ إلى ذلك بقوله:
“صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ”،
و”غُمَّ” هنا تعني: تعذّرت رؤيته أو لم يُرَ الهلال.

ومع ذلك، فليس كل من صام أو أفطر يكون مأجورًا على الإطلاق، بل يرتبط الأجر باتباع جهة شرعية معتبرة أو اجتهاد صحيح، لا بمجرد الاختيار الشخصي.

وهنا تتجلى عظمة هذا الدين: في إقراره بالتعدد، وفي احتضانه للاختلاف ضمن إطار الشرع، دون أن يحوّله إلى صراع أو تخوين، ودون أن يجعل كل الآراء في مرتبة واحدة من حيث القوة والدليل.

ومع اتساع رقعة العالم الإسلامي، واختلاف البيئات الجغرافية، وتطور وسائل الاتصال، أصبح من الطبيعي أن تتعدد طرق الإثبات، وأن تتباين النتائج. فليس ما يناسب بلدًا في الشرق الأوسط، بالضرورة مناسبًا لمسلم يعيش في الغرب.

ومن هنا، فإن هذا الاختلاف لا ينبغي أن يكون مدعاةً للفرقة، بل فرصةً لإعادة النظر في طريقة تعاملنا مع التنوع داخل الأمة، مع التأكيد على أن المسألة ليست مفتوحة بلا ضوابط، بل الأصل أن يلتزم المسلم بمرجعية واضحة في بلده.

المشكلة الحقيقية لا تكمن في اختلاف يوم الصيام أو العيد، بل في الاتهامات المتبادلة، وفي تحويل مسائل اجتهادية إلى ساحات صراع.

إن الدين الذي وسّع على الناس، ومنحهم رخصًا متعددة، يدعونا اليوم إلى أن نكون على قدر هذه السعة: أن نحترم اختيارات الآخرين، ما دامت مستندة إلى اجتهاد معتبر، ولم تخالف نصًا صريحًا، دون مبالغة أو جدل.

وفي خضم هذا الجدل، ربما يكون الدرس الأهم هو أن نعيد ترتيب أولوياتنا؛ فهناك قضايا كبرى تستحق أن تتوحد حولها الأمة، بدل أن تُستنزف طاقاتها في مسائل فرعية.

فالاختلاف في الهلال قد يفرّق في الظاهر، لكنه في حقيقته يذكّرنا بأن وحدة القلوب أعمق من وحدة التوقيت، وأن الرحمة التي بُني عليها هذا الدين أوسع بكثير من أن تُختزل في يوم واحد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى