رؤي ومقالات

جمال غيطاس يكتب :رسميا: وزيرة إماراتية ترفع شعار (الصهيونية هي الحل)

في يوم الإثنين 16 مارس 2026 نقل موقع (سي إن إن بالعربية النسخة العربية لموقع شبكة سي ان ان الإخبارية الأمريكية)، تصريحا لريم الهاشمي وزيرة دولة لشؤون التعاون الدولي بالإمارات، وصفت فيها الهجوم الإيراني على بلادها بأنه “مجنون كليا”، وقالت (إنه لن يغير من ديناميكية اتفاقيات أبو ظبي مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وإننا نضاعف جهودنا مع أصدقائنا، ونعزز الروابط القوية التي تجمعنا).
مجيء هذا التصريح الرسمي من وزيرة في دولة الإمارات يعني أن الإمارات تعلن أن الخيار الذي له قيمة بالنسبة لها في هذا الصراع، ويحقق لها مصالحها وأمنها، يتمثل في تعميق الارتماء في أحضان صهاينة تل ابيب وواشنطن، وما خلاف ذلك من حلول وخيارات تأتي بعد هذا الخيار، أو تعتبر خيارات قليلة أو معدومة الفائدة بالنسبة للإمارات، سواء كانت هذه الخيارات إسلاما ومسلمين، أو عروبة وعرب، أو حتى مجرد حق وعدل وإنسانية.
لو عصرت هذه التصريحات عصرا، وحللتها وصفيتها بحثا عن جوهرها، ستجدها تعني أن الإمارات ترفع دون مواربة شعار (الصهيونية هي الحل).
شعار يعني أن الصهيونية حل لمشكلاتها الأمنية، وملاذ آمن من هواجسها المستقبلية، ومطية ترتفع بها فوق منافسيها وأعدائها، وصاروخ تنطلق به الي أهدافها داخل وخارج حدودها، والطريق التي ستمكنها من تمتين وتقوية نفوذها، في البلدان التي امطرتها بأموال، تلقفتها أيدي عملائها ، الذين احالوا وحدة بلادهم فتاتا، وقتلوا واغتصبوا وشردوا إخوانهم في الدين والوطن، أما فلسطين ذلك الوطن المسلوب المغتصب الواقع تحت ابشع صنوف الاحتلال والاستعمار والعنصرية، فهي قضية قابلة للنسيان، او على أقل تقدير مادة للدعاية وأعمال العلاقات العامة لا اكثر.
أمر مؤسف أن يأتي هذا التصريح وسط معركة دامية، تكشفت خلالها نوايا وخطط وأقوال وأفعال الصهاينة (الأمريكيون والكيان البغيض) تجاه المنطقة بكاملها. فشعار الصهيونية هو الحل الذي شكل جوهر تصريح المسئولة الإماراتية، ينزع الإمارات من سياقها الإسلامي والعربي، ويجعلها متصادمة متناقضة معه على طول الخط، لأن الصهيونية هي الخطر الحقيقي، وهي العدو الذي يؤكد أن العرب والمسلمين بالنسبة له فريسة يجب التهامها، ودين يجب هزيمته، وقومية يحب محوها، وشعوب يجب تحويلها عبيد بعد تركيعها قتلا وتشريدا وتجويعا وإفسادا.
السؤال الذي يطرح نفسه: ما هو وقع هذه التصريحات المؤسفة على المواطنين البسطاء في شعوب العرب والمسلمين، وعلى رأسهم شعوب فلسطين ومصر وسورية ولبنان، الذين ذاقوا وتجرعوا من الصهاينة مرارات وعذابات وخيانات وغدر وكذب وعنصرية وعنف وتدمير لم يحدث مثلها على وجه الأرض أو يشهد لها التاريخ مثيلا؟
كيف تنظر هذه الملايين من المواطنين إلى الإمارات، وكيف يحددون موقفهم منها في ضوء ما يرونه ويسمعونه في المعركة الدائرة الآن، بين إيران من ناحية وصهاينة تل ابيب وواشنطن من ناحية أخرى؟
أين بالضبط يقف العرب والمسلمين نفسيا وسلوكيا، بالنسبة للإمارات التي تعلن عن هذا النهج ونيران المعركة مشتعلة، وبالنسبة لإيران التي تتعرض للضرب بقسوة بالغة، جنبا إلى جنب مع الأشقاء في لبنان والمختنقين الجائعين المحاصرين في غزة؟
إذا كانت الوزير الإماراتية قد وصفت الهجمات الإيرانية بأنها ” جنونا كليا”، فإن اعتناق الفكرة التي وردت في سياق حديثها، يعد جنونا غير مسبوقا ولا متصورا ولا معقولا، يتصاغر ويتضاءل أمامه الجنون الكلي الذي وصفت به هجمات ايران على بلادها، لكونها فكرة تعبر عن نهج يفرق ولا يوحد، ويجعل الإمارات منسلخة كليا وعلى نحو مجنون عن سياقها الديني والقومي، مما يدفع الناس دفعا للابتعاد عنها ووضعها في الموضع المؤسف الذي لم يكن هناك من يرغب أن تكون فيه، وهي انها جزء من سبيكة المعتدين علينا جميعا.
من يرفع شعارا أو يعتنق فكرة أو يضع نفسه في موضع عليه ان يتحمل نتيجة خياراته، فلا يصح منطقا ولا عقلا ولا دينا أن تجعل من نفسك جزء لا يتجزأ من المعتدي وترتمي في احضانه، ثم تشكو في الوقت نفسه من أنك تتعرض للأذى.
أعلم ان السلطة الرسمية في مصر لها حساباتها ومواقفها التي تقودها الي سياسات وإجراءات تراها الأنسب لمعالجة الموقف من منظور المصالح الوطنية العليا، وان لديها صبر مفرط حتي مع مثل هذه التصريحات المنفلتة، وهو أمر اقدره واحترمه، من منطلق الواجب الوطني، وأقول أننا ونحن في ذروة معارضتنا واختلافنا معها، لدينا يقين بأن مواقفها وسياستها هي اجتهاد يسعى لصالح الوطن ورعايته، لكنه يظل في النهاية اجتهاد يحتمل الصواب والخطأ، ويخضع للمناقشة والاختلاف أو الاتفاق معه، في إطار التنوع في الرأي والحرية التي تعطي الحق في مناقشة أمور يتعين أن تضعها السلطة نصب أعينها وهي تدافع عن مصالح وطننا، ومن بينها كلمات صادرة عن مسئول رسمي بدولة في قلب المعركة، تحدثت فقدمت للناس فكرة ( الصهيونية هي الحل).

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى