
قرأت يوماً أنَّ المدن تتكلَّم …نعم تتكلَّم
وفي كلِّ فترة وعصر لها كلمة واحدة. تحتشد لينطقها كلّ الأشخاص
كلّ التفاصيل
كلّ الحجارة والأبنية
كلّ الحقول والأشجار
كلّ الساحات والماء المتدفِّق من تماثيل نوافيرها
تنطق كلمتها وتتسرَّب إلى فم الناظر فينطق ذات الكلمة بلغة جسده
وانفعالاته وتوجهاته
وتنسرب إلى روحِه
فينطقها بمعتقداته
وفكره وانتمائه
ولأنَّني أيضاً مدينة
أبحرت كثيراً في لجِّ نفسي ….وبحثت عن كلمتي التي ستنطقها شفتاي
ويتلعثم فيها صبري
اليوم كلمتي هي التجاوز
تماماً كما مدينتي التي تسعى إلى التجاوز:
تجاوز الألم
تجاوز الحصار
تجاوز الأزمة
تجاوز الأسعار
تجاوز كلّ ما جرى
والمضي قدماً إلى حيث تتجاوز أيضاً القادم الأكثر وجعاً
والمطبق كصخرة جاثمة
تجاوز ذلك الصلد
والوجع الناجم عنه
والمضي إلى حيث الراحة الأبديَّة
ولكن ماذا سأتجاوز أنا؟
هل أتجاوز تلك الندبة في معصمي
التى ارتشحت إليه من قلبي
أتجاوز تلك الشرايين التي نضب فيها الجريان حتى ملَّه القلب فأصبح بطيئاً للغاية
أتجاوز حزنك الآتي حين تقرأ ما أكتبه الآن
ونقول
يا لهدوئك في الكلام
في التهادي
في السير
في الوصل
في الحضور
في البوح
و لا تعلم أنَّ كل هذا
يختلف مع بركاني الثائر الذي ما أن تجاوز البطء
حتى غمرك بحمم تستعر..
نعم سأتجاوز أيضاً اللهفة
فما عادت تهمُّ أحداً الآن
ولا حتى من كنت أحلم بلهفتهم تلتهم حزني ببطء وتتلذذ في سحل الألم على مهل
أتجاوز القادم
فلا نكهة تجعلني أتريث لتحسس الحليمات لمذاقه المر
أتجاوز نفسي
وأرغب بأشياء لم تجرؤ حتى هي أن تأمرني بسوءتها
هل تسمع كلمتي الآن
أم أنَّك لفظت التجاوز مثلي فتجاوزت حتَّى سمعها ؟؟؟؟؟؟
أسمهان الحلواني
سوريا