رؤي ومقالات

حسام السيسي يكتب :بين السردية والواقع: كيف تُضلّلنا القصص الكاملة في قراءة الصراعات الكبرى؟

ما يُتداول مؤخرًا من تحليلات حادة حول حرب #إيران، لا يكشف فقط عن اختلاف في التقدير، بل عن ظاهرة أعمق:
تحوّل الجيوبوليتيك من مجال تحليل معقد… إلى سوق سرديات مكتملة.
قصص تبدأ بمقدمة جذابة، تتصاعد عبر تنبؤات صادمة، وتنتهي بخلاصة حاسمة:
قوة تنهار، وأخرى تصعد، ونظام عالمي يُعاد تشكيله أمام أعيننا.
لكن المشكلة أن هذا النوع من الطرح—رغم جاذبيته—يُخفي أكثر مما يكشف.
……
اولا : وهم ‘المستنقع الحتمي’
القول إن أي مواجهة مع إيران ستتحول إلى “مستنقع أمريكي بلا قعر” يستند إلى مقارنة مباشرة مع تجارب مثل العراق أو أفغانستان.
لكن هذا القياس يتجاهل فارقًا جوهريًا:
الصراعات الحديثة—خصوصًا بين قوى كبيرة—لم تعد تُدار بمنطق الغزو الشامل، بل بمنطق التحكم في التصعيد.
الولايات المتحدة لا تدخل هذه المواجهات بهدف الحسم السريع، بل بهدف إعادة تشكيل سلوك الخصم ضمن حدود يمكن إدارتها.
وهذا لا يمنع الاستنزاف… لكنه يجعله أداة، لا فخًا حتميًا.
ثانيًا: مبالغة “اللاعودة”
الطرح القائل إن واشنطن “لا تستطيع الانسحاب” لأن ذلك يعني انهيارها، يقوم على تصور قديم للهيبة الدولية.
الواقع أن الانسحاب—كما حدث في أفغانستان—لم يؤدِ إلى انهيار، بل إلى إعادة تموضع.
الهيبة تتآكل تدريجيًا… لكنها لا تنهار بضربة واحدة.
المعادلة هنا ليست انسحاب = سقوط،
بل “نسحاب = إعادة توزيع كلفة.
ثالثًا: اقتصاديات غير قابلة للتطبيق
أحد أكثر الطروحات إثارة هو الحديث عن قدرة إيران على فرض رسوم ضخمة على الملاحة في مضيق هرمز وتحقيق مئات المليارات سنويًا.
لكن هذا الطرح يتجاهل حقيقة بسيطة:
مضيق هرمز ليس ممرًا إقليميًا… بل شريانًا عالميًا.
أي محاولة لفرض سيطرة اقتصادية كاملة عليه تعني:
صدامًا مباشرًا مع القوى الكبرى
تدخلًا عسكريًا دوليًا
وتعطيلًا للاقتصاد الإيراني نفسه
بمعنى أدق:
هذه ليست ورقة ربح… بل ورقة ردع لا يمكن استخدامها فعليًا دون كلفة كارثية.
رابعًا: الصين بين التضرر والمرونة
صحيح أن الصين تعتمد بشكل كبير على واردات الطاقة، ما يجعلها عرضة لأي اضطراب في الخليج.
لكن تصويرها كـ ‘الخاسر الأكبر’ يتجاهل قدرتها على:
تنويع مصادر الطاقة
استخدام الاحتياطات الاستراتيجية
إعادة توجيه سلاسل الإنتاج
الصين قد تتضرر… لكنها ليست هشّة كما تُصوَّر.
خامسًا: المستفيدون… قراءة انتقائية
يُطرح أن روسيا وإسرائيل هما المستفيدان الرئيسيان.
جزئيًا، هذا صحيح:
روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة
إسرائيل تستفيد من إضعاف خصومها الإقليميين
لكن تحويل هذا إلى “خطة مكتملة” يفترض درجة تحكم غير واقعية في مسار الصراع.
الواقع أن هذه المكاسب تكتيكية ومؤقتة، وليست نتيجة تصميم شامل.
سادسًا: الدين كعامل تفسير شامل
الحديث عن دور العقيدة الدينية في دفع الصراع إلى “نهايات كبرى” ليس بلا أساس،
لكن تضخيمه ليصبح المحرك الأساسي للقرار السياسي يُخرج التحليل من الجيوبوليتيك إلى السرديات الأيديولوجية.
القرارات الكبرى—even في أكثر الأنظمة أيديولوجية—تظل محكومة بتوازنات القوة، لا بالنبوءات.
سابعًا: أوهام الحسم البري
سيناريو الغزو البري الواسع لإيران يُستدعى كثيرًا بوصفه “فيتنام جديدة”.
لكن هذا السيناريو تحديدًا هو الأقل احتمالًا، لأنه الأعلى كلفة.
القوى الكبرى اليوم تتجنب الحروب البرية المفتوحة، لأنها:
غير قابلة للحسم
عالية الخسائر
ومكلفة سياسيًا داخليًا
لذلك، يُستخدم هذا الاحتمال كأداة ردع… لا كخطة تنفيذ.
ثامنًا: هشاشة مبالغ فيها
القول إن الإمارات العربية المتحدة ستنهار اقتصاديًا بسبب التصعيد يعكس فهمًا سطحيًا لطبيعة الاقتصاد الحديث.
الاقتصادات المرنة لا تنهار بضربة واحدة،
بل تعيد التكيّف—even تحت الضغط.
نعم، البيئة الأمنية تؤثر…
لكنها لا تُسقط نموذجًا اقتصاديًا كاملًا بهذه البساطة.
صراع يُدار… لا يُروى
ما نراه اليوم ليس صراعًا يُحسم،
بل صراع يُدار.
في المجمل ليس هناك طرف قادر على فرض نهاية سريعة،
ولا طرف يمكنه تحمّل كلفة الانفجار الكامل.
الولايات المتحدة تحاول إدارة التراجع دون فقدان السيطرة،
وإيران تسعى لرفع الكلفة دون الوصول إلى نقطة اللاعودة،
والقوى الكبرى توازن بين الاستفادة من التوتر ومنع تحوله إلى انهيار شامل.
في هذا السياق، تصبح السرديات الجاهزة—رغم جاذبيتها—خطرًا معرفيًا.
لأنها تقدّم عالمًا معقدًا… في صورة قصة بسيطة.
وفي الجيوبوليتيك،
أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن نجهل الواقع،
بل أن نعتقد أننا فهمناه بالكامل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى