رؤي ومقالات

د.وليد عبد الحي يكتب:ما بعد المعركة الايرانية –نداء للدبلوماسية الايرانية

لكل حرب نهايتها ، وما يحصده منجل الحرب تظهر محاصيله على بيدر التفاوض السياسي، ومن الواضح ان الهدف السياسي الاول لكل من الولايات المتحدة واسرائيل هو “تغيير النظام السياسي في ايران” رغم اي ادعاءات اخرى ، لان الثورة الايرانية طرحت مشروعا لجعل ايران هي الدولة المركز في المنطقة، وهو ما استوجب سلسلة من المخرجات السياسية التي رأت فيها اسرائيل تهديدا ومنافسا استراتيجيا لمشروعها الشرق اوسطي بتأويلاته اليمينية(اسرائيل الكبرى جغرافيا) او تأويلاته اليسارية الصهيونية( اسرائيل الكبرى اقتصاديا)، وكما وضعت اسرائيل خطة متكاملة لتحقيق الهدف ، بالاحتلال والقضاء على القوى المخالفة لتوجهاتها ،بنت ايران تحالفات اقليمية ودولية مقابلة لتحقيق مشروع مركزيتها المطروحة رسميا في خطة عام 2005.
وعند الجلوس على طاولة المفاوضات(المباشرة او غير المباشرة، العلنية او السرية، عبر الامم المتحدة او خارجها)، فان على ايران ان تطرح موضوعين اساسيين هما:
أولا: التاكيد على ان المخرج الوحيد لامتصاص كل حلقات الاحتقان في المنطقة هو “تسوية القضية الفلسطينية”، فكل الحروب ال 53 حربا التي نشبت في الشرق الاوسط منذ قيام الثورة الايرانية الى الآن ترتبط بشكل او آخر بالقضية الفلسطينية.
ولكن ، لماذا طرح هذا الموضوع بعد الحرب ؟
أ‌- لم يكن التعاطف الشعبي او الرسمي في العالم متعاطفا ومتفهما للمعضلة الفلسطينية كما هو الآن، وهي فرصة للدبلوماسية الايرانية لطرح الموضوع في بيئة دولية موائمة، وهو ما يتضح في انماط التصويت في مجلس الامن او الجمعية العامة للأمم المتحدة او في استطلاعات الرأي العام في كل دول العالم،فمنذ طوفان الاقصى وهذا التحول متواصل.
ب‌- تشعر اوروبا بان اوزار القضية الفلسطينية من دورات الرفع المتكرر لاسعار الطاقة(غاز او بترول) الى ارباك التجارة الدولية بخاصة التجارة الاوروبية الآسيوية الى موجات الهجرة للداخل الاوروبي ، الى صرف الاهتمام الاوروبي عن مشاكلهم مع روسيا او غيرها تستدعي تسوية القضية الفلسطينية ،وهو ما عبر عنه وزراء خارجية الدول الاوروبية وبيانات المفوضية الاوروبية وانماط التصويت الاوروبي في الامم المتحدة.
ت‌- هناك تزايد واضح تؤكده كل المؤسسات العلمية في “التململ” من ثقل وزن اللوبي اليهودي في صنع القرار الامريكي، وهو امر تعكسه استطلاعات الرأي واحاديث النخبة الفكرية ، بل تزايد النظر لاسرائيل كعبء استراتيجي على الولايات المتحدة ، وصحيح ان هذا لم يُحدث تحولا عميقا كاف لتغيير السياسة الامريكية ،لكنه يشكل بيئة قابلة للاستثمار في التفاوض.
لذا من الضروري ان تضع ايران تسوية الصراع العربي الصهيوني على طاولة المفاوضات تحت راية ان القضية الفلسطينية هي “الأم لعدم الاستقرار في المنطقة”، فلماذا لا نجد حلا لها لنخلص الشرق الاوسط من هذه الأم التي لا تشيخ ولا يصيبها العقم؟
ومن المؤكد ان مشروع حل الدولتين( رغم اقراري بظلمه واعتراض إيران عليه من حيث المبدأ) لو جرى اعتماده من المجتمع الدولي سيكون هو افضل وصفة لاشعال حرب اهلية في اسرائيل (بين اكثر من ثلاثة ارباع مليون مستوطن في اراضي 1967 اغلبهم من المتدينين وبين بقية المجتمع الاسرائيلي) ، ناهيك عن ان الرفض الاسرائيلي لذلك الحل سيزيد العزلة الاسرائيلية تدريجيا ، بينما قد يكون ذلك مخرجا للدول العربية التي قامت بتطبيع علاقاتها مع اسرائيل او تسعى له او الدول العربية القلقة من مشروع اسرائيل الكبرى الذي قد يطالها .
ثانيا: الموضوع النووي : من الضروري ان تعيد ايران طرح موضوع “اعتبار الشرق الاوسط منطقة خالية من السلاح النووي”، وتقديم هذا الاقتراح من منطلق المساواة والسيادة بين دول العالم، فاما ان تنضم اسرائيل للوكالة الدولية للطاقة الذرية وتخضع للتفتيش، او ان يذهب الشرق الاوسط لنفس المسار الكوري الشمالي، فكوريا كانت عضوا في الوكالة حتى 2003 وانسحبت منها لتقوم باول تجربة نووية لها بعد ذلك بثلاث سنوات.
ومن الضروري في طرح هذا الجانب التركيز على المساواة والسيادة لدول المنطقة، ومنع التفجر المتواصل لأزمات الشرق الاوسط التي تصل اوزارها لكل بيت في العالم، ومن الضروري ان تشرع ايران في ربط هذا الموضوع بتهديدات وزراء في الحكومة الاسرائيلية (سموتريتش وغيره) بضرب غزة بالقنابل الذرية،وهو ما وثقته كل من محكمة العدل الدولية والجنائية الدولية.
ارى ان على ايران التركيز على هذين الموضوعين ،خلق انطباع بان مصير اي تفاوض مرتبط بهذين الموضوعين تحديدا، لاسيما ان تحقيق نتائج في هذين الموضوعين سيجعل الفضاء السياسي امام المفاوض الايراني اكثر براحا، وستجد اسرائيل صعوبة ابتلاع اي من الموضوعين رغم وجاهة الموضوعين من جانب النظرة العالمية.
الوجه الآخر للموضوعين:
اعلم تماما ان اسرائيل ستجد مشكلة في الدفاع عن موقفها في الجانبين(فلسطين والنووي) وستعمل على افشالهما تماما ،لكن ذلك لا يحول دون استغلال البيئة الدولية الحالية(التحول في المواقف الدولية من اسرائيل، والاختناقات المتوقعة في الاسواق بكل ما لذلك من تداعيات بخاصة في الدول الاكثر مساندة لاسرائيل..الخ مما ذكرنا)، واعلم ان اسرائيل سترفض بكل قوة وبعناد تام كلا الموضوعين(فقد قتلت جون كينيدي عندما اصر على التفتيش على مشروعاتها النووية)، لكن طرح الموضوعين يشكل اضافة لاثراء الموقف التفاوضي الايراني في الموضوعات الاخرى، كما ان طرح هذين الموضوعين سيهمش الحجة الامريكية بان الحرب هي “مساندة للشعب الايراني المضطهد من حكومته” ، ويتعزز كل ذلك إذا ادرك العرب ان هناك فرصة للجم هذا الصراع المتجدد والمسئول عن اغلب التوترات في العلاقات العربية العربية او العربية الاقليمية او العربية الدولية، لذا لا بد من المساندة السياسية للمفاوض الايراني .
بالطبع هناك موضوعات ايرانية بحتة، مضيق هرمز، التدخل الخارجي ومساندة بعض شرائح المعارضة الايرانية ، القواعد الامريكية في المنطقة، علاقات ايران بموسكو وبكين ، العقوبات الاقتصادية والحصار السياسي…الخ، لكن الخطورة لو اتجهت ايران الى مقايضة الموضوعين السابقين بموضوعاتها الخاصة او الذاتية، وهي مخاطرة كبيرة ستفقد ايران كل مصداقيتها حتى لحلفائها، واظن ان الايرانيين أذكى من الوقوع في هذا الجُب،ولكن لا يجوز اعتباره مستحيلا في الحساب العربي، وعلى الدول العربية ان تدرك ان استثمار الوضع الحالي لتحقيق نتائج في الموضوعين الفلسطيني والنووي هو في صلب المصلحة العربية،مما يقتضي التخلي عن الغرائزية السياسية لصالح “حساب السياسة ببيض النمل” على رأي لينين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى