
أعرف النّجمة كما لو أنّها أمّي.
عندما تغيب أبكي وعندما تجيء يضحك القلب كالينابيع. أعرف أنّ ضوءها الّذي لا يغيبُ يشبه ابتسامة أُمّي وكلّما يحين المساء أجلس على شرفة البيت أحدّق في زرقة السماء فأشعر أنّ روحي تُحلّق في فضاءِ الغيمِ كالأساطير وأحلامي ترفرف في المكان كالعصافير.
أعرف النّجمة كما لو أنّها أمّي.
أمي الّتي هي نجمة مثلك. نجمة جاءت بعبقريّة الضّوء ونكهة البياضِ وولدتني هنا على حواف البهاء وأومأت للسنونوة الّتي تُعَشِّش في زاويةِ البيتِ أن تُعلّمَني لثغة الطّيور. كنت نجمة. نجمة صغيرة ولدتني أمّي على سُنَّةِ الضّوء أَتعلّم لغة السّنا والكلام الّذي كالنّدى وأبعثُهما للبعيد البعيد مع رسائل المطر.
أعرف النّجمة كما لو أنّها أمّي.
أمّي الّتي تُضيء الممرّات في البيت. تُضيء الفوانيس والليل والمزهريّة في لمسة من حنان يديها. تُضيء النّدى فينبجس الماء وتفيض الينابيع. أمّي الّتي علّمتني كيف يبتسم العشب وكيف أُصلّي لكينونة الماء وأغنّي لصيرورة الضّوء. علّمتني كيفَ يكون الفتى نجمة وكيف يُنير الفتى سيرة النّهر وكيف تصير النّجوم أساطيرَ في قصائدي وحروفي.
أعرف النّجمة كما لو أنّها أمّي.
وأحلم أن أظلّ ذلك الصّبيَّ الّذي يداعب هُدب عينيك ويلعب بين المجرّات. أنْ أظلَّ شاهداً على شَغَب النّجوم وزغب النيازك واحتدامات الضّوء. أحلم أن يظلّ قلبي مبلّلاً بالحنين ومفعماً بالزعفران كمنديل أمّي. أن أظلّ ذاك الشقيّ الذي يتهجّى ابتساماتِ النّجوم. ذلك الطائر البهيّ الذي ما زال تائهاً في أرجاء ظلالك ومشرّداً في أبهاء صورتك يستمدّ من نور عينيك عند الحواف البعيدة جمال الكرومِ وجلال النّجوم.
أعرف النّجمة كما لو أنّها أمّي.
أنا الّذي عشت بين التماع النّدى وانثيال البياض على شرفتي لأرى كومة الضّوء في الطريق نجوماً وأرى نجمتي في البعيد البعيد تجتاح أغنيتي. أنا الشّقيّ الصّبيّ صديق النّجمة أحلم أنْ تكون الأرض هادئة مثل وجه أُمّي الّذي يشبه الضّوء ضوءَكِ.