
الصعوبة الحقيقية ليست كامنة في بدأ أو إفتِعال حرباً ما ،ولكن الصعب حقاً هو أن تبدأ حرباً ولاتعلم متي وكيف تنهي هذه الحرب ،هذا بإختصار ما أكده الصراع الذي يدور كوكبنا في فلكه لأكثر من عشرين يوماً ،والمخطيء فينا هو من يظن أن الحرب المستمرة رحاها في الدوران والضجيج والطحن لعظام دول الشرق الأوسط منذ نهاية فبراير الماضي وحتي اليوم ،هي مجرد حرباً تقليدية تشبه الحروب التي أعتدنا تفهم أهدافها واستيعاب دوافعها ،فهذه الحرب تدور في أطر عمليات عسكرية مجزأة تتجدد وفق تحرك رصيد كل طرف في بنك الأهداف الخاص به ،والتي قد تتغير بتغير ظروف الحرب ونتائجها وهو ما يفسر المضي قدماً لأطراف النزاع في التصعيد المستمر لعملياتهم العسكرية حتي أختلطت فيها معطيات الخرائط الجغرافية وتحكم بمصير أطرافها أصحاب المصالح ،حرب أمتزجت فيها فنون السياسة بعقائد الدين ونظريات الإقتصاد بديموغرافية المجتمعات ،أما عن الأهداف فهي ليست جميعها بالضرورة عسكرية ،وهي ليست معلنة كذلك بالضرورة أو ليست كلها حقيقية ،بل هناك العديد من الأهداف المضللة والخفية سواء الجيوسياسية ،والميجا -تكنولوجية ،والالترا-إقتصادية والتي تدفع أطراف الصراع للتصعيد كلما تباينت نتائج العمليات أو أختلفت الدوافع لدي كل طرف ،ولا ننسي أن هذه الأهداف تتصدرها جميعاً أهدافاً دينية بحتة حتي وإن بدت الأخيرة بصورة مشوشة أو غير معلنة تقبع بخلفيات المشهد ،حتي وإن توافرت لدي كل طرف من الأطراف .
▪️▪️▪️
العمليات الدائرة حالياً بمنطقة الشرق الأوسط أشبه في مجملها بتحركات اللعبة فارسية الأصل (الشطرنج) بما تحتاجه اللعبة من تحركات ذكية جيوسياسية وعسكرية ومايترتب عليها واقعياً من نتائج إقتصادية ضخمة ذات عمق وأثر بالغ ليس علي المنطقة فحسب بل علي العالم بأسره وربما ستبقي لعقود طويلة ،والبقاء لأطول مدة في ذلك الصراع سيكون للأذكي والأطول نفساً والأقدر علي تحمل الضغوط الموجعة في صراع مأزوم سيجعل الأطراف ينهكون بعضهم بعضا ،فمن أراد جني الثمار في المستقبل عليه أن يترك عصا الرحي يتجاذبها أطراف الصراع ،فكل طرف سوف يسعي لجذب الأنصار من جهة وازاحة الباقين من فوق رقعة الشطرنج أو طاولة الحرب من جهة أخري ،ولايختلف في ذلك حليف الأمس عن العدو التاريخي ،وربما سنجد مواقف مغايرة لمن ظنناه حليفاً بالأمس ،فكل الخيارات صارت رهن المراجعة ساعة بساعة من كافة الأطراف المتصارعة وعبر كافة الزوايا والاحتمالات .
▪️▪️▪️
والحقيقة أننا لم نعد بحاجة لتجديد التعريف بأسباب نقطة الإشتعال أو تحديد الطرف المتسبب في إفتعال المواجهات المتصاعدة ،فالأمور تبدو للجميع وكأنها قد أُشعِلَتْ عن عمد بين أطراف بعينها لخلق أجواء من الإرتباك بالمشهد العام تمهيداً لتوسيع دوائر الصراع ،والمقصد الرئيس الذي وضع له السيناريو مسبقاً ومنذ زمن بعيد وقت التخطيط لهذه الحرب الكبري معلوم ومعروف ،أما الوسيلة الأعمق فلم تكمن في مجرد فتح جبهات محدودة أو لتحقيق نصراً عبر صراع خاطف كما ظن البعض ،بل كان هناك دائماً هدفاً للوصول بالصراع إلي أبعد نقطة ممكنة ،وذلك يتضح إذا ما تتبعنا ظروف الصراع الحالي وكيفية تواصل العمليات العسكرية ليلاً بنهار وضربة بضربة وقراراً بقرار ،لتتأجج نيران الصراع وتتطور الأحداث يوماً بعد يوم وتتسع دوائر الإشتباك لتستوعب المزيد والمزيد من الأطراف ،فهذه الحرب لم تكن بحال لتقبل القسمة علي طرفي نزاع منفردين فقط ،لذا كانت ضربة البداية بالإستقواء (بالسوبر باور) المطلق والقوة العالمية الأولي المتمثلة في الولايات المتحدة الأميركية لإمتلاكها الأدوات السياسية والعسكرية والإقتصادية والمعلوماتية المطلوبة واستخدامها بشكل صريح لإشعال الصراع وبدء تنفيذ المخطط الأكبر ،وليس كما أشيع في البداية لحسم الصراع العسكري بشكل مبكر .
▪️▪️▪️
نعم كان هناك إستخدام من الطرف المحرك للأحداث والممثل في دولة الإحتلال بعد إنتهاز الضوء الأخضر والفرصة غير المسبوقة التي قد قدمها لها ترامب ونسيها البعض أو تناساها ،حينما أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب قبل تسعة أعوام وتحديداً في ديسمبر من عام ٢٠١٧ أن مدينة القدس عاصمة لإسرائيل ،علي غير إرادة أو تشاور مع الدول الإسلامية أو العربية وبعكس إتجاه قرارات الأمم المتحدة ومجلس الأمن ،وللتذكير فقط فقد ساعد في تمرير ذلك بشكل كبير إستخدام الولايات المتحدة الأمريكية حق النقض (ڤيتو) ضد قرار مجلس الأمن الذي رفض بالإجماع هذا الإعلان المنفرد ،بل وذهبت الخارجية الأميركية لأبعد من ذلك عندما افتتحت سفارتها بالقدس في مايو من العام ٢٠١٨ أي بعد ستة أشهر من الإعلان الأمريكي المنفرد ليستمر عملها منذ افتتاحها وحتي يومنا هذا ،كان ذلك الحدث خلال فترة ولاية الرئيس دونالد ترامب الأولى من حكم الولايات المتحدة كشراكة أولية ،وشارك في تمريره دون ضجيج تصاعد لغة الصمت المهيب من جانب الدول الإسلامية والعربية حيال القرار المريب ،أضف لذلك حالة للهرولة الغير مبررة فاجأت الجميع بما فيهم الرئيس ترامب نفسه من جانب دول الخليج لإسترضاء رئيس الولايات المتحدة بإعتباره المترأس للدولة المهيمنة علي المقدرات الاقتصادية والسياسية والعسكرية لكوكب الأرض ،وليأتي ذلك علي حساب كل شيء بالرغم من لغة الخطاب الساخرة من جانب ترامب سواء قبل أو بعد زياراته لعدد من الدول الخليجية ،بل وجمعه غير المنطقي من خلال تلك الزيارات لترليونات الدولارات من المداخيل البترولية لهذه الدول الغنية بحسب وصفه حينها في مقابل وعوده لتلك الدول بأنها سوف تنعم بحماية المظلة الأمريكية المباشرة للأبد .
▪️▪️▪️
الصراع إذاً من اليوم فصاعداً صار مرشحاً لقبول أطراف أكثر وبشكل صريح ومباشر ،فعاجلاً أم آجلاً سوف يلج كل طرف للصراع طوعاً أو كرها كما يلج الجمل من سم الخياط ،سواء جاء ذلك بحسب التسلسل المنطقي لنتائج الأحداث الجارية أو المتعاقبة ،أو بالأحري وفق السيناريوهات المعَدّة مسبقاً والتي سيبقي هدفها الرئيس هو اتساع مائدة الفرقاء بغرض تذويب الذريعة الأساسية التي نشأ من أجلها الصراع من ناحية ،وتوسيع نطاق الصراع من ناحية أخرى ،تمهيداً وبعد إنهاك الجميع لتحويل هذا الصراع من حرب أقليمية لحرب عالمية الهدف منها خلق أجواء مسممة وفرضيات مرتبكة تسهم في تحقيق الفوضى المطلوبة وتفتح بوابة كبرى يكون ولوج الجميع منها هو الهدف المنشود بالأساس من هذا الصراع المصطنع ،لذا فلا أحد هناك يستطيع أن يجزم متي أو كيف ستنتهي هذه المواجهات الملتهبة أو حتي يتوقع ما ستؤول إليه الأمور الجارية ولو بعد يوم واحد .
▪️▪️▪️
العمليات العسكرية المتبادلة بين اسرائيل والولايات المتحدة من جهة ضد جمهورية إيران الإسلامية ماتزال تتصاعد منذ اندلاعها في الثامن والعشرين من شهر فبراير الماضي ولقرابة الثلاثة أسابيع مرشح للتورط بخوض غمارها أطراف جديدة في كل يوم تمضي دون أن تُكبَح جماح الأزمة العالمية الجارية ،بعدما تطورت العمليات العسكرية بشكل خطير ومتلاحق وارتفعت وتيرتها بشكل متسارع ،وبوفق مايتردد من التقارير حول العمليات أن تحولاً غامضاً ومربكاً في الحسابات الأمريكية بالكامل داخل سماوات إيران والخليج العربي عن الأيام الأولي من الحرب ،سواء في مدي قدرات الصواريخ الإيرانية من ناحية بعد رصد إطلاق صاروخين باتجاه قاعدة “دييجو جارسيا” البريطانية الأمريكية المشتركة وسط المحيط الهندي ،وكذلك رصد انبعاثات لإشارات رادارية غير مألوفة صادرة من العمق الإيراني مما يشير لدخول متوقع لقوي كبري إلي المعترك ويرجح أن تكون أحدي القوي العظمي كالصين او روسيا وربما الأثنتين مجتمعين !.
▪️▪️▪️
التوقعات التي أشارت إلي تلك التغيرات التكتيكية الجديدة أكدت بوضوح أن دفاعات إيران الجوية لم تعد هي تلك المنظومات التقليدية التي طالما استهزأت بها واشنطن وتل أبيب ،حيث أطل فجأة علي المشهد شبحاً تكنولوجياً جديداً اثار في قلوب الطيارين الأمريكيين الرعب لم يكن مقتصراً على إعتراض مفاجيء لطبيعة عملهم عبر منظومة دفاعية متطورة ،بل لإختلاف في نوعية وكيفية تشغيل تلك المنظومات من الجانب الإيراني ،ماتسبب في إسقاط وإصابات مفاجأة لعدد من الطائرات الشبحية الأمريكية بعدما تسربت انباء عن نجاح طهران في تشغيل منظومة الدفاع الجوي الروسي “إس-400 ترايومف”، مع ربط هذه الصواريخ الفتاكة معلوماتياً بشبكات الأقمار الصناعية الروسية ،مما وفر للإيرانيين قدرات استثنائية لكشف الأهداف الرادارية الخفية وإسقاطها وهو ما يُعد تصعيداً نوعياً يقلب الموازين العسكرية داخل ميادين القتال .
▪️▪️▪️
المهلة التي منحها الرئيس ترامب مؤخراً بإستهداف محطات الطاقة الإيرانية خلال ٤٨ ساعة إذا لم يتم فتح مضيق هرمز أمام ناقلات النفط قد تصبح ميداناً للمفاوضات ومحاولة إنهاء الحرب بخروج كافة الأطراف منتصراً ،رغم أنها في رأيي لم يختلف كثيراً عن نفس لغة التهديد والوعيد الواردة بكافة التقارير العسكرية المتواترة منذ بدء الصراع بآناء الليل وأطراف النهار وعلي رأس كل ساعة ،فكل ماورد من تصريحات عن طرفي الصراع (الرئيسيين) من تهديدات وتصرفات لم تأتِ بنهاية للعمليات ،ولم تمنح لطرف ما نصراً مؤزراً ولا تعني لآخر انكساراً حاسماً ،هي مجرد يوميات عسكرية بعضها يؤكد إستمرار العدوان الأمريكي الإسرائيلي علي إيران والآخر يمثل رد الفعل المتوقع حيال تلك الإعتداءات المستمرة من جانب طهران ،لذا فمن المرجح أن يظل الشرق الأوسط بل والعالم بأسره لفترة أخري يقبع تحت نير تلك الضربات العسكرية يستجدي رحمة النتائج الاقتصادية المترتبة عن ذلك الصراع ،الذي حدد – حتي ولو تم حسمه بإعلان الإنتصار للطرفين خلال الأسبوع الجاري – نقاطاً فاصلة في مسار تغيير وجه العالم ،ورسم خطوطاً ستعيد حسابات موازين القوى علي متن الكوكب الأزرق من جديد ،فلا مكان مستقبلاً إلا لمن يقرأ ويعي ويستوعب ماسطره التاريخ ،فمن يمتلك عمق التاريخ لايضره صخب الحروب ولا دوي المعارك ..