
في لحظات لا تشبه أي لحظة ، هي تلك الحظات التي تختلط فيها الدموع بالصمت، ويصبح عندها الوجع أكبر من الكلمات، كان المشهد يختصر حكاية وطن كاملة.
هناك حيث توقفت السيارة التي تحمل التابوت، وتلك الناس تتجمع من حولها ، لحظة كأن الزمن توقف فيها احتراما لتلك الروح التي ارتقت .
فوق السيارة كان التابوت مغطى بالعلم، ساكنا ، لكنه يحمل في داخله حكاية عمر انتهى، ورسالة تضحية لن تنتهي.
اقتربت أم مكلومة وهي تحمل طفلها الصغير بين ذراعيها.
لم يكن الطفل يدرك معنى الشهادة، ولا يعرف لماذا اجتمع هذا العدد من الناس، ولا لماذا تبكي أمه بحرقة لم يعهدها من قبل.
رفعته قليلا ، وقالت بصوت اختنق بين الدموع:
“هذا أبوك… سلم عليه.”
نظر الطفل ببراءة إلى التابوت، بعينين صغيرتين تبحثان عن وجه اعتاد أن يبتسم له كل مساء.
مد يده الصغيرة ، كأنه يريد أن يوقظه، أو يسأله لماذا تأخر في العودة إلى البيت.
لم يفهم أن هذا هو الوداع الأخير.
الأب الذي كان يحمله على كتفيه، ويشتري له الحلوى، ويعده بأن يكبر معه… عاد اليوم محمولا على الأكتاف.
بكت الأم… ليس لأنها ودعت زوجها فقط، بل لأنها رأت في عيون طفلها سؤالا لن تجد له جوابا قريبا:
أين أبي؟
في تلك اللحظة، لم يكن التابوت مجرد خشب يضم جسد شهيد،
بل كان يحمل قلب عائلة كاملة، وأحلام طفل صغير سيكبر يوما وهو يسمع أن أباه لم يمت… بل ارتقى شهيدا.
وسيبقى ذلك المشهد عالقا في ذاكرة الجميع:
طفل يلوح بيده الصغيرة لوداع أبيه ، دون أن يعلم أن بعض الوداع… لا عودة بعده