
كان تواصلي مع أمي دوماً من خلف شاشةٍ صغيرة، نقتاتُ بها ما تبقّى من دفء اللقاء حين ينهشنا الشوق.
كانت الغربةُ تُثقِل القلب، فنلجأُ إلى الضوء البارد لنخدع الحنين..
أعانقُ صوتها عبر الأثير، وأخبّئ دمعي بين الكلمات.
وحتى حين رحلت… بقيتُ أكلّمها وأبكيها من خلف الشاشة.
ذلك هو الوجع الذي لا يُرى… لكنه الأشدّ في هذا العالم.
خلفَ الشاشةِ أمي
كانتِ المسافةُ أطولَ من العمرِ كلِّه
حين ظهرتِ على شاشةٍ باردةٍ
كأنَّها نافذةٌ على الغياب
قلتُ: أمي…
وكان صوتي يرتجفُ
كغصنٍ وحيدٍ في ريحِ الشتاء
كنتِ ترحلين ببطءٍ
وأنا أجلسُ أمامَ الضوءِ الصغير
وقلبي يضيقُ كسماءٍ بلا نجوم
دموعي لم تسقطْ
كانت تقفُ في عينيَّ
كأنها تخافُ أن تعبرَ هذا الجدار
مددتُ يدي نحوكِ
أردتُ أن ألمسَ جبينكِ
أن أقبّلَ يديكِ كما كنتُ أفعل
لكنَّ شاشةً واحدة
صارتْ قارةً من زجاج
تفصلُ بين نبضي ونبضكِ
يا أمي
كم كان الطريقُ طويلاً بيننا
وكم كانت الحروبُ أكثرَ قسوةً من القلب
آلافُ المؤامراتِ بيني وبينكِ
وجدارٌ من القدر
أعلى من كلِّ صلواتي
رأيتُ عينيكِ تبتعدان
مثل نجمتينِ تغرقان في ليلٍ بعيد
ولم أستطع أن أقول
سوى كلمةٍ واحدةٍ كانت تحترق في صدري:
سامحيني… يا أمي
سامحيني لأنني ودّعتكِ عبرَ شاشةٍ فقط
بقلم: تغريد بو مرعي