
لكل نظام سياسي ،بل لكل فكرة او دين او فن معارضوها ، بل ان وجود المعارضة ، هناك من يراها نعمة ودليل على بيئة تدع الف زهرة تتفتح ، وهناك من يراها نقمة بدليل التشقق في البناء الاجتماعي والسياسي للمجتمع بل والدولة.
وتتضح اشكالية المعارضة في اية دولة في لحظات الأزمات وبخاصة الأزمات البنيوية والحروب الاهلية او الدولية، ويبدأ الرهان على المعارضة من لحظة نشوب الازمة.
عند نقل الصورة السابقة للميدان الايراني ، فان احد الرهانات للقوى الخارجية تمركز حول اسقاط النظام استنادا الى تصورين :
أ- الاعتقاد بان غياب الرئيس (او المرشد في الحالة الايرانية) سيحمل معه تداعيات على غرار ما جرى في ليبيا وسوريا واليمن ومصر والعراق …الخ، وبالتالي فان اغتيال المرشد سيفتح المجال لتكرار السيناريو الشرق اوسطي ، ولعل الذاكرة الغربية تختزن تجربة ايرانية في نفس المجال، فما ان سقط الشاه حتى انهار نظامه رغم ان الشاه كان يقول (كما روى حسنين هيكل في كتابه عن ايران) : “انا تجاوزت امتحان الشعوب”، لكن هذا الشاه لم يجد من يؤويه من حلفائه بعد هروبه.
ومع قتل المرشد توقع البعض ان يتكرر المشهد، وان ينهار النظام ،لكن كل ما جرى توقعه لم يحدث، بل تم تعيين المرشد ،وبقيت المؤسسات دون ان تصاب باي اضطراب غير عادي ،واستانفت عملها .
ب- ان المعارضة الايرانية ستهب الى الشارع ، ويتكرر المشهد السوري او الليبي..الخ، وتتشقق المؤسسات المدنية والعسكرية وتعم الفوضى ،وتعمل القوى الخارجية على تدمير البيت الايراني ثم تعيد بناءه على هواها.
ان الخطا الاول الذي وقعت فيه الرهانات هو عدم التدقيق في بنية النظام الايراني وآليات اتخاذ القرار بل وآليات رد الفعل على التحولات الكبرى، فالنظام الايراني فيه توازنات مؤسسية تضبط بعضها بعضا، وفيها قوى خشنة تعتبر الثورة الايرانية ملكا لها، وفيها وضوح دستوري لكيفية احلال القادة ممن يموت او يغتال أويعجز لسبب أو آخر.
اما المعارضة الايرانية ، فيمكنني الاسهاب في شرح واقعها:
يمكن تقسيم اطياف المعارضة الى خمسة ، وتحديد وزنها، وموقفها من الحرب ضد ايران:
1- المعارضة البهلوية( الملكية): تتبنى هذه الشريحة استراتيجية اسقاط النظام، لكنها تتبنى توجهين احدهما اعادة النظام الشاهنشاهي القديم، والثاني نظام سياسي تعددي بقيادة رمزية من العائلة البهلوية(على النمط البريطاني)، ويمثل ابن الشاه(رضا بهلوي) ابرز شخصيات هذا القطاع من المعارضة، وتكمن قوة هذا التيار في البعد الاعلامي والسياسي في الخارج ، فاغلب كوادره في الولايات المتحدة واوروبا بخاصة فرنسا وبريطانيا.، لكنه ضعيف للغاية في الداخل الايراني . اما موقفهم من الحرب الحالية فهم يرونها فرصة للاستغلال ،لذا يقفون في صف التحريض على استمرارها والدعوة للداخل للانتفاض على النظام . لكن الذاكرة الشعبية الايرانية عن نظام الشاه حصرت امتدادات هذا التيار ،فهو لا يتجاوز 2-3% من قوة الشارع المعارض.
2- المجلس الوطني للمقاومة(مجاهدي خلق): يمثل هذا التيار المعارضة الاسلامية ذات النزعة اليسارية ، ويقوده المجلس الوطني للمقاومة الايرانية ، ويتميز هذا التيار بالتنظيم الداخلي ، لكن القبول له بين ايرانيي الخارج بخاصة في فرنسا اكثر كثيرا من قبوله من ايرانيي الداخل ، وتستحضر الذاكرة الايرانية الدور الذي لعبته منظمة مجاهدي خلق ضد القوات الايرانية خلال الحرب العراقية الايرانية، كما ان قواعدها في الداخل الايراني محدودة لتقارب وزن قواعد التيار الشاهنشاهي، ولعل وراثة مريم رجوي لقيادة المنظمة خلفا لزوجها مسعود رجوي عزز النظر الى الحركة كيسار ملكي في انتقال السلطة بالوراثة، ويتراوح وزنها بين 2-3% من جمهور المعارضة.
لكن موقف هذا التنظيم من الحرب يختلف عن موقف تيار ابن الشاه، ناهيك عن عدائه لتيار ابن الشاه، فهو يرفض مساندة الحرب الخارجية،ويرى ان اسقاط النظام يجب ان يتم من الداخل لا من خلال تدخل خارجي.
3- المعارضة القومية(الاقليات): يمكن اعتبار اربع فئات هي الاكثر وضوحا في هذا الجانب ،وهي :الاكراد والبلوش وعرب الاهواز وشرائح من الأذريين، وخطورة هذه المجموعات هي ان جسمها الرئيسي موجود في الداخل، كما انها مسلحة، وموجودة على اطراف الدولة او على الحدود مما ييسر حركة اتصالها مع الخارج وتهريب المساعدات. ويمثل الاكراد والبلوش القوة المركزية في هذه التنظيمات، ويمارسون نشاطاتهم عبر الحدود مع العراق(الاكراد مثل حزب كومله او الديمقراطي الكردستاني الايراني) ومع باكستان( البلوش مثل جند الله) وهناك تيار لكنه ضعيف حاليا في الاهواز(مثل صقور الاهواز)، لكن نقطة ضعف هذه التنظيمات هي انها متهمة بانها أذرع لقوى خارجية تستثمرها ضد النظام الايراني ، كما ان اي تحرك لها مرهون بدعم خارجي مما يفقدها استقلاليتها، وهو ما عبر عنه بعض من انصار هذه الحركات، ناهيك عن ان الدول المجاورة التي يتواجد فيها شرائح من هذه الاقليات لا تميل لمساندتها (فتركيا والعراق وسوريا امثلة على دول تخشى ان انتصار هذه الاقليات سيعود عليها بالضرر) وهو ما تشعر به باكستان تجاه البلوش.، الى جانب ان هذه الحركات يُنظر لها من الفرس على انها حركات انفصالية ،اي ان دوافعها ليست هي نفس دوافع الاغلبية الايرانية المعارضة، فهي تريد تمزيق الدولة الايرانية لا بناء دولة ديمقراطية، يمكن تقدير وزنها بانه يساوي 20-25% من المعارضة الايرانية.
4- موزاييك من تنظيمات مدنية(اتحادات طلابية او نسوية او نقابات او نشطاء حقوق انسان..الخ)، ويمكن اعتبار هذه التنظيمات هي الاكثر قاعدة شعبية في صفوف المعارضة، وتتمركز بشكل خاص في المدن بخاصة طهران واصفهان ومشهد، لكن هذه التنظيمات تفتقر لقيادة موحدة،وليس لها تنظيم جامع، ناهيك عن ضعفها التنظيمي بشكل عام وفقدانها لقيادة سياسية ، ورغم معارضتها للنظام فان الشريحة الاوسع منها يعارض الحرب نظرا للتخوف من “الفوضى العارمة في المجتمع وانهيار الدولة، بل والتشكك العميق في اوساط هذا التيار في نزاهة التدخل الخارجي، وهذه التنظيمات تشكل من 30-35%.
5- الاصلاحيون: ينتمي هذا الجناح من المعارضة الى الثورة الايرانية ،ويتمركز وزنه الاكبر في النخبة السياسية المعارضة من داخل الثورة ( قيادات او شخصيات اكاديمية او دبلوماسيين سابقين)، لكن هذا التيار يقف بوضوح ضد اسقاط النظام بالقوة وضد الحرب ،ويصر على الاصلاح التدريجي السلمي الداخلي، وهؤلاء يشكلون حوالي 40% من المعارضة .
الى جانب ما سبق هناك قوى متناثرة بخاصة في الخارج (مثل الذين حضروا مؤتمر ايران الحرة في لندن هذا العام)، ويضم اطرافا من اغلب المعارضات السابقة الذكر .
ما سبق يجعلني قادرا على تقييم قدرة المعارضة على تغيير النظام او عدم قدرتها:
أ- معارضة مفككة ومتضاربة في توجهاتها.
ب- ارتباط اغلبها بقوى خارجية مما شكك في مصداقيتها
ت- فشلت في جذب اي نسبة من القوات الخشنة للانشقاق (الجيش او الحرس الثوري او الباسييج او حتى اجهزة الاستخبارات او الامن)، بل ان تقديرات مراكز الابحاث المتخصصة تقيم درجة التماسك الداخلي في مؤسسات النظام بانها عالية جدا، كما ن هذه المؤسسات تمكنت بعد الضربات القاسية لهياكلها القيادية من اعادة تنصيب البدائل بسرعة ملفتة للنظر، ويبدو ان تشقق المؤسسات العربية الخشنة خلال فترة الحرب الاهلية في سوريا او اليمن او العراق..الخ غذى اوهام الخارج باستنساخ النموذج العربي في ايران، وهو ما لم يحدث نهائيا حتى هذه اللحظة رغم قسوة المواجهة مع امريكا واسرائيل.
ث- لم تظهر تشققات حتى من الهيكل الدبلوماسي ، وسجلت حالات نادرة مثل طلب لجوء من دبلوماسي ايراني في الدنمارك او استراليا ،لكن ذلك ليس الا حالات فردية منعزلة.
ج- لكن ذلك لا ينفي بعض الاعتقالات بين صفوف المعارضة الاصلاحية(يقدر بانهم اقل من عشرة كان من ابرزهم اعتقال آذر منصوري رئيسة “جبهة الاصلاحات” لكنه تم الافراج عنها لاحقا بعد ايام قليلة.
ح- ان التدخل الخارجي لم يجد هوى لدى الكتلة الكبرى من المعارضة الايرانية .
ثمة عامل مهم في اضعاف احتمالات اسقاط النظام وهو “الظهور الاسرائيلي البارز في المشهد العسكري “، فإذا كانت ايران موزعة في هوياتها الفرعية( فُرس بنسبة 55% وغير فرس بنسبة 45%) فان التشيع يشكل 95% من الهوية الايرانية، وهذه الخلفية الثقافية لا تحتفظ لليهود بصورة ذهنية ايجابية، وهي صورة تغذيها الحوزات الدينية بقوة، وهو ما يحرج المعارضة الايرانية “الوطنية” في مواقفها إذا ساندت “اليهود”…
من جانب آخر، فان تحقيق النظام نتائج يراها المجتمع الايراني دليل قوة في المواجهة الحالية مع امريكا واسرائيل، ستضع المعارضة في موضع الحرج الشديد، وتتعزز ثقة النظام بنفسه للمدى المتوسط على اقل تقدير…ربما.