
(1)
هذه الليلة
لا أحاول أن أُفلِت
ولا أن أجد تفسيرًا لما يحدث داخلي
أضع كرسيَّين
واحد لي وآخر للفراغ
ثم أضيف ثالثًا
لا أعرف تمامًا لمن
لكنني أشعر أن الوحدة تحتاج مكانًا لتجلس
أترك المسافة بيننا مفتوحة
كأنها نافذة على شيء لم يحدث أو ربما يحدث
لكنني فجأة
أفهم أنني لم أضع ثلاثة كراسي
بل قسّمت نفسي إلى ثلاث جهات تتراقب
وأدرك ببرودة قاسية أنني لست الجالس هنا
بل الشيء
الذي تحاول هذه الكراسي احتواءه
ولا تنجح…
(2)
في الخارج يمر الليل ببطء
كأنه يحمل مدينة كاملة على كتفيه
أصوات بعيدة
كلب ينبح بلا سبب
وسيارة تعبر كذكرى سريعة
أصوات حميمية تتسلل من الطابق المقابل
طفل يبكي لأن أخاه كسر له لعبته
وزوج يشكو لجاره قسوة المعيشة
شاب يتلصص على جارته الحسناء
رجل يشكو من خيانة زوجته
رجل يخربش الجدار بعد مكالمة غير واضحة، يقول: “اللعنة على أمريكا، بنت الساقطة…”
ورجل آخر يقول بصوت موجع: “لقد وفرت من بطني طقتين من أجل الدروس الخصوصية”
ضحكات مكتومة، همسات متوترة، بضع كلمات تُقَال نصفها سر ونصفها صراخ
كل شيء يمضي
وأنا أبقى هنا أراقب هذا الاجتماع الصامت
أنا والكرسي الفارغ
والوحدة التي بدأت تميل قليلًا كأنها تستريح أو ربما تتهيأ للنوم مبكرًا
لكن شيئًا ما ينكسر في المشهد
فالليل لا يمر حقًا
إنه يتجمع حول صدري طبقة فوق طبقة
حتى أكاد أراه شيئًا كثيفًا يمكن لمسه
وأكاد أصرخ
لأنني ببساطة أدرك أخيرًا
أنني لست داخل الليل
أنا
المكان الذي ينام فيه الليل كل ليلة…
(3)
أقول شيئًا بسيطًا كأنني أختبر الهواء
فلا يرد أحد
لكنني أشعر أن الكلمات تسقط برفق
على ذلك الكرسي الثالث
كأنها تُطعِمه شيئًا من حياتي
هذا القول ليس فعلًا كبيرًا
إنه يد صغيرة تربّت على كتف العتمة
وأنا
أترك له المجال ليقول ما لا أستطيع قوله دفعة واحدة
ثم فجأة
تفلت الجملة من يدي ولا تعود لي
تلتفت نحوي ككائن اكتمل وتحدّق فيّ
وأفهم متأخرًا كعادتي القبيحة
أنني لم أكن أدون
كنت أُستنزف وأن هذه الكلمات ليست مأوى
بل مخلوقات جائعة تعرف اسمي
وتأكلني
حرفًا
حرفًا…
(4)
بعد قليل لن يتغير العالم
لن تُفتح الأبواب فجأة ولن يأتي أحد
لكنني
لن أكون وحدي تمامًا
هناك دائمًا هذا الكرسي الثالث
وهذه الكلمات التي تجلس عليه قبلي وتنتظرني
لكنني الآن لا أجرؤ على الاقتراب
لأنني أرى بوضوح
أن الكرسي لم يعد فارغًا
هناك شيء يجلس عليه يشبهني إلى حد مفزع
يرفع رأسه نحوي ببطء ويبتسم
كأنه
أنا
بعد أن تخلّص مني
ثم يشير إلى الكرسي الثاني
ويهمس بهدوء لا يُحتمل:
اجلس هنا
ودعني
أكمل العيش بدلًا عنك