
مع بزوغ صباح يوم التاسع والعشرين من مارس الجاري تدخل الحرب الأمريكية الإسرائيلية / الإيرانية شهرها الثاني ،حيث بدأت رحاها وتستمر في الدوران منذ شهر بالكمال والتمام ،بدأت حينما انطلق العدوان الإسرائيلي الأمريكي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية موجهاً عدد من الضربات الجوية المشتركة التي إستهدفت إغتيال ٤٧ من صفوة القادة بالنظام الإيراني من داخل مقار عملهم وإقاماتهم بالعاصمة الإيرانية طهران ،لتفتح بوابات الجحيم علي مناطق وشعوب إقليم الشرق الأوسط الملتهب والمتضرر بالأساس ،لتحولها إلى مناطق صراعات مفتوحة خاضعة لكافة الإحتمالات وتزج بها لحالات من التقلبات وعدم الإستقرار متعددة الأوجه ،فمن يسلم من نيران الحرب المباشرة لم يسلم من آثارها المدمرة إقتصادياً وسياسياً وإجتماعياً ونفسياً بشكل لم تشهد له المنطقة مثيلاً قبل عقود ،لتلقِي الحرب بسحائبها القاتمة ليس علي الإقليم فحسب وإنما على سماء الكوكب بأسرِه الذي لاينتظر له ولايتوقع أن يعود وجه العالم مطلقاً لما كان عليه قبل شهر من الآن حتي ولو قدّر لهذه الحرب أن تنتهي اليوم قبل غداً .
◾️◾️◾️
النيران التي لم تهدأ ،والتصعيد المستمر طوال الثلاثين يوما الماضية لم يخفف من وطأته التصريحات المتضاربة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي أطلقها الأيام الماضية واحد يلي الآخر ،فمن تحذير لإيران بتشديد التصعيد وإستهداف منشآت الطاقة الإيرانية بكافة أشكالها في مقابل فتح مضيق هرمز خلال ٤٨ ساعة ،إلي تصريح بمد المهلة لخمسة أيام للتفاوض المثمر ،ثم إلى تمديد المهلة لعشر أيام أخر ! .. إلا أن التصعيد لم يتقلص ولو لبضع ساعات ،بل علي عكس ذلك جاء استغلال اسرائيل للتصريحات بغطاء من صمت أمريكي لتوجه ضربات مشتركة أمريكية إسرائيلية استهدفت عدد من المنشآت الصناعية الحسّاسة داخل إيران ،من بينها مصانع للفولاذ بالأهواز واخر للحديد والأسمنت بأصفهان ،وقصف كذلك لمنشآت مرتبطة بالبرنامج النووي في آراك حيث يتم هناك تصنيع الماء الثقيل ،إلي جانب سقوط مقذوف بالقرب من مفاعل بوشهر النووي من دون رصد أي تسرب إشعاعي بحسب الجانب الإيراني ،جاء ذلك في تصعيد نوعي من حيث طبيعة الأهداف المستهدفة منذ بدء المواجهات ،والذي يخشي بعده أن ترد طهران بقصف (محتمل) لمواقع مشابهة في الخطورة بالأراضي المحتلة أو دول الخليج بحسب التهديدات الصادرة عن الجانب الإيراني ،وهو ما سيشكل منعطفاً خطراً يعبث بمصائر شعوب المنطقة بشكل مباشر وبما قد يعيد وجه الحياة بالخليج للوراء لعدة عصور مضت ،لتبقي اسرائيل بتصعيدها الأخير علي فرص إستمرار العدوان ،وتقلص من احتمالات انهائه بهدف تطوير حربها الوجودية التي بدأتها بضربات استباقية مشتركة ،سرعان ماتطورت لحرب إستنزاف مفتوحة ،مروراً بالتصعيد العسكري والخسائر البشرية والإنهيارات الاقتصادية والتحولات الجيوسياسية ،ثم وصولاً إلى المشهد المتأزم حاليًا ،والمتأرجح بين حراك دبلوماسي لوقف إطلاق النار وإحباط التوصل لهدنة مؤقتة بهدف الإبقاء علي حالة التصعيد العسكري المستمر والذي يبدو أن إسرائيل تفضله كنموذج مرجّح قابل للوصول بكوكب الأرض إلي حرب عالمية ثالثة لاتبقي ولاتذر !
◾️◾️◾️
العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران سوف يمثل دائماً أثراً فارقاً في تاريخ الشرق الأوسط المعاصر ،فالحرب التي بدأت بهدف تفكيك القدرات النووية والحد من البرنامج الصاروخيّ الإيراني ،وتقليص القدرات البحرية الإيرانية ،توسعت لتطيح بالقيادات العليا بالنظام الإيراني وعلي رأسها علي خامنئي المرشد الأعلى للثورة الإيرانية ،لترد ايران بتشديد الضربات الصاروخية علي الأراضي المحتلة وكذلك علي القواعد الأمريكية بمنطقة الخليج ،بل وتجنح لإتخاذ قراراً خطيراً بغلق ممرًا مائيًا حيوياً هو مضيق هرمز ،لتُحدث بالاقتصاد العالمي هزّة عميقة أثر هذا القرار الذي رفع أسعار النفط إلي الضعف في بضع أيام ،واضعة منطقة الخليج وإقليم الشرق الأوسط علي المحك بالقرب من حافة بركان ناشط ،ماسيكشف مستقبلاً عن تحولات محتملة في عمق التحالفات التقليدية ،ما سيكون له من انعكاسات علي المستويات الإقليمية والدولية والعالمية .
◾️◾️◾️
وفي ظل ذلك المشهد المظلم لحرب لايعرف من بدأوها متي وكيف سينتهوا منها ،يبقى الأمل معقودًا على صوت العقل والجهود الدبلوماسية ،التي لا تزال تُجرَي في محاولة لانتزاع ولو نصف فرصة من براثن حرب لإيجاد مخرج للإنقاذ وإحلال السلام ،حيث تترقب الأنظار الجهود والمساعي الدبلوماسية التي تقودها منذ بداية الصراع عدد من القيادات العاقلة والمؤثرة في بعض الدول الإسلامية والعربية ،في كل من مصر وباكستان وتركيا والسعودية علي رجاء أن تؤدي بالفعل إلى التهدئة والحد من التصعيد وتأجج الأوضاع ،لكن وللأسف من غير المرجح أن تعود منطقة الشرق الأوسط لما كانت عليه قبل إعتداءات الثامن والعشرين من فبراير الماضي ،حتى مع فرضية نجاح الجهود الدبلوماسية في الخروج بنتائج ايجابية وخفض التصعيد بالإقليم رغم صعوبة الوضع ومأزق الشروط الخمسة الإيرانية ،والشروط الخمسة عشر المطروحة من الجانبين الأسرائيلي والأمريكي التي في مجملها تطالب بإنهاء التهديدات الإيرانية التي لم تكن موجودة فعلياً قبل إعتداءات الطرفين في الثامن والعشرين من فبراير الماضي ،إلا أن الجروح العميقة التي ستخلفها الحرب من دمار وقتل ونزوح في كل من إيران والخليج العربي والعراق وجنوب لبنان سوف تستمر في النزف وسيحتاج ماتهدم من منشآت إلي سنوات طوال وجهود عضال من توفير أموال لإعادة الإعمار .
◾️◾️◾️
ستبقي الحرب دائماً هي أسوء طرق التسويات بين الدول ،وستبقي أيضاً هي الدليل المادي الذي أوجدته الأمم ليبرهن للعالم علي أن سياسات الهيمنة والقوة المفرطة والتوسع الجائر لاتؤدي إلا للمزيد من الفوضى وتفاقم الأزمات وعدم الإستقرار وربما الإنهيار ،مما يضع العالم في هذه المرة تحديداً أمام مسئوليات وإختبار حقيقي حول الجدوى من النظام الدولي القائم بين الأمم دون احترامها للقانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة ،ودون مراقبة لكافة القوي العالمية والإقليمية وتقويم الجائر منها ،علي حد السواء ومن دون تمييز .