
ـــــــ “الكتابة ليست اعترافاً، بل هي وسيلة لتحويل التجربة المعاشة إلى وعي دائم.”* أندريه مالرو، مفكر وروائي فرنسي.
لو أن كل عراقي كتب سيرته لكتبنا تاريخا مختلفاً عن السرديات المزيفة والمشوهة والشفوية. حياة كل عراقي ملحمة كبيرة لكن المشكلة في الكتابة. كل شيء يمكن ان يكون أدباً لو كتب بصدق وجمال وفن.
تزوير تاريخ شعب او جماعة او أفراد لم يعد من اختصاص نظم الحكم لأنها كانت تتلاعب بالسرديات وتمتلك المطابع ووسائل الاعلام والمناهج بل صار اليوم من اختصاص النصابين والانتهازيين وطبقة من المأجورين الذين جعلوا من التاريخ كديكور منزل أو مقهى يتأثث بالأكاذيب.
إن من يكتب لا يُهزم. الكتابة فعل تنفيس ومصالحة مع الذات ودرع. الكتابة تحفظ الحقيقة من التزوير أو النسيان. عندما تكتب تجربتك، فأنت تمنع الآخرين من صياغة تاريخك بدلاً منك.
من الطقوس التي كنت أحرص عليها في سجن كويتا الباكستاني،
الذي تأسس منتصف ثلاثينات القرن الماضي في الزمن الانكليزي التجول في السجن الكبير بعد فتح باب الزنزانة في الفجر:
أي كنت في الزمن الإنكليزي كما نحن اليوم في الزمن الامريكي.
التهمة عبور الحدود مشياً عبر جبال تفتان Taftan البركانية في كانون الثاني 1989 القارص بين ايران والباكستان،
كلقلق مهاجر ومن مثلث يعرف بمثلث الموت الإيراني، الباكستاني، الأفغاني، حيث تجار المخدرات وسياراتهم المسلحة ومطاردة الجيش
الايراني والباكستاني لهم،
مع نصف مخابرات العالم تلك الأيام بسبب الحرب الافغانية مع السوفيت،
وكان الجيش السوفيتي ذلك الشهر في حالة انسحاب من افغانستان، أي شاءت الأقدار أو الصدف أن أكون في لحظة مفصلية من تاريخ البشرية غيرت العالم وظهور ما يعرف بالارهاب.
لا تعرف في قبضة من تقع وتُقتل، من مجاهدين ومن شيوعيين ومن مهربين ومن لصوص . عبور ذلك المثلث مغامرة لكنها مغامرة الخاسر كل شيء وهذا النوع من الخسارة الشاملة يخلق اللامبالاة أو الشجاعة الناتجة عن الشعور باليأس. الخسارة تحرر من الخوف.
طقس اليقظة الصباحية ثابت للتنفيس من زنزانة ضيقة مع ثلاثة اشخاص عراقيين من أول المساء الى الفجر،
حيث عليك أن تحلم وتنام وتقضي حاجتك في علبة صفيح،
يصبح حلم قضاء الحاجة أهم من حلم الحرية، خاصة لشخص خجول بطبعه،
وقضبان الزنزانة تطل على مشنقة ومنضدة تعرف باسم “المخلعة” من أدوات التعذيب في القرون الوسطى ويُربط السجين المعاقب من معصميه وكاحليه بواسطة أحزمة جلدية و يتم شد جسد الشخص في اتجاهين متعاكسين ويجلد.
عليك أن تطل على هذا المشهد من المساء حتى الفجر . مع كل هذا الديكور الشاعري أن يكون أحد رفاق الزنزانة محششاً،
يشتري الحشيش من الشرطة حيث تبدأ حكايات لا تعرف الواقع منها من الخيال والهلوسة من الحكمة،
ومن الاعتراف الصادق من الكذب والهذيان،
ثم ما قيمة الحقيقة اذا كانت الحياة غائبة وهي أهم من كل الحقائق؟
في النزهة الصباحية في سجن كويتا المركزي،
أتجول حول القاعات بعد ان تجولت سابقا في قصر الشاهنشاه ملك الملوك الايراني الهارب، وهي مقسمة الى:
* قاعة القتلة من أفغان وباكستانيين. * قاعة للشيوعيين الافغان.
* قاعة للمجاهدين الأفغان لأسباب مختلفة. * قاعة للايرانيين الموالين للجمهورية الاسلامية.
* قاعة للايرانيين من أنصار النظام الملكي الشاهنشاهي.
* قاعات مخصصة للعراقيين:
1: قاعة عامة تضم خليطاً من عرب وأكراد وتركمان. هؤلاء تفرقوا حسب الولاءات السياسية على غرف،
أهل خانقين في مكان وأهل السليمانية في آخر وحزب الدعوة في غرف والشيوعي العراقي وجماعتهم في غرف أخرى.
كالعادة تتبادل التهم كالسجائر من ان هذا مخابرات وذاك منحرف في استدعاء لمعايير المكان القديم وذهنية الوصم لان الضحية لا تعيش بلا خلق ضحية ولو في سجن للتوازن وممارسة السلطة.
2 : كالعادة عندما يتواجد هذا الخليط من عراقيين في سجن أو مكان لا تتوقع أن تمشي الامور بخير والصراعات مستمرة حد الإشتباك،
لذلك طلبت من مدير السجن الهندوسي نقلي للزنزانة لانها أهون من سجن يتحول الى سجون.
معارك مستمرة بين المجاهدين الافغان وبين الشيوعيين الافغان، كما في الخارج،
ومعارك مستمرة بين الجمهوريين الايرانيين والملكيين كما في الخارج،
ومعارك مستمرة بين العراقيين كما في الخارج للأسباب نفسها.
لم يكن مجرد سجن بل صورة مصغرة لقارة آسيا. بل أن المستقبل موجود في الحاضر وهؤلاء صورة مصغرة نموذجية لما يحدث من صراع وقتال وحروب خارج السجن وسيحدث في المستقبل.
من تلك الأوقات ، لأن الشيطان في التفاصيل، ولدت فكرة ” الأعزل” سيرة روائية ذاتية ونشرت اول مرة عام 2000 من دار بيرغمان في النرويج،
ثم طبعة ثانية من مؤسسة الانتشار العربي في بيروت.
جزء منها عن السجون الايرانية والباكستانية والحرب والسلطة،
ولم تكن العبارة التالية نتيجة مزاج بل نتيجة كل هذه التفاصيل المتشابكة،
تقول العبارة في الرواية عام 2000:
” هذا الوطن سينفجر يوماً بحرب أو بلا حرب، رائحة التفسخ في كل مكان لكن أحداً لا يشم”.
هذه العبارة تنطبق أيضاً على واقع اليوم. رائحة التفسخ أعنف وأقذر لكن أحداً لا يشم لأن عنف وضراوة التفسخ
تجعله عادياً، كل شيء عادي كما يقال اليوم وهو الخطر الأكبر
عندما يتم” تطبيع ” العاهات في نوع من الادمان.
كانت صورة المستقبل في السجن واضحة وتلك لم تكن قاعات سجن فحسب بل كانت شعوباً ودولاً وصراعات،
ومصالح دول ونسق تقاليد ومنظومات قيم والغاماً موقوتة.
ذلك السجن كان آسيا الشاحبة وخلف الصورة الغرب والولايات المتحدة والخليج كما اليوم، كما اليوم.
عندما افكر اليوم برفاق السجن أجد ان بعضهم مات وبعضهم عاد وصار جزءا من السلطة وبعضهم شاخ او انتحر وبعضهم لا يزال يحلم في المنفى تحت مصابيح الضوء الراعش تحت الثلج الهاطل يروي حكايات للريح والايام.