
في القرن الحادي عشر كانت روسيا التي نعرفها اليوم تسمى “روسيا كييف Kievan Rus”، نسبة إلى مدينة كييف (أم المدائن في تاريخ الروس وأقدم مدن شرق أوروبا وأعرقها لعديد من شعوب السلاف..ولاحقا عاصمة دولة أوكرانيا).
اتخذ الروس “كييف” عاصمة لإمارتهم التي شملت معظم شرق أوروبا كما يتضح من الخريطة المرفقة.
في تلك الفترة من تاريخ أوروبا، كان الروس في كييف يعرفون أنهم ضعاف لا وزن لهم إن لم يتحالفوا مع قوة أكبرى تحميهم.
وقد عاش الروس قبيل القرن الحادي عشر في ظل التأثير البيزنطي: الذي ألهم الروس الأبجدية واللغة والديانة المسيحية الشرقية.
مع تراجع أهمية بيزنطة، وجد الأمير الروسي في كييف نفسه في موقف ضعيف وفي أزمة مالية فبدأ يبحث عمن يقرضه مالا لتدعيم سلطاته في الإمارة.
ومن أجل توفير المال لخزينة إمارته لجأ الأمير الروسي في كييف (واسمه سفياتوبولك) لحيلة بسيطة في ظاهرها، خطيرة في نتائجها، إذ دعى اليهود المرابين للقدوم من ألمانيا.
حصل هؤلاء المرابون على حق الإقامة في كييف وإمكانية بناء كنيس لهم، فضلا عن حرية كاملة في المعاملات المالية.
بفضل خبرتهم وتضامنهم، سرعان ما استولى اليهود القادمون من الغرب إلى كييف على معظم الأعمال التجارية في الإمارة التي لم تكن قد عرفت من قبل نظام المراباة.
لم يقتصر المرابون اليهود على هذا النشاط، بل قاموا بإقراض المال إلى الأمير الأكبر نفسه، وفي المقابل طلبوا لأنفسهم إمكانية تحقيق أقصى ربح ممكن في تجارة الإمارة الروسية.
كانت الأنشطة التجارية الأكثر ربحًا في ذلك الوقت هي تجارة الرقيق في المنطقة الجغرافية الواسعة الممتدة بين آسيا وأوروبا ولا سيما فيما بين بحر قزوين والبحر الأسود.
عجز الأمير الروسي عن سداد ديونه لليهود بعد أن أسرف في الاقتراض منهم.
بطبيعة الحال، دفع المقرضون اليهود الأمير سفياتوبولك لشن حملات عسكرية كان الغرض منها استجلاب عبيد يقوم الأمير الكبير ببيعهم ويسدد من أرباح تلك التجارة ديونه إلى المرابين.
لم يكن بإمكان أمير كييف شن حرب لجمع العبيد إلا بمساعدة قبائل الكومان بين البحر الأسود وبحر قزوين.
وحين رفضت قبائل الكومان المشاركة في حملات لصيد العبيد والاتجار بهم لصالح أمير موسكو بدأ الأمير الروسي حربه على الكومان.
وقع الكومان في حصار روسي ووجدوا أنفسهم مضطرين لا محالة لخوض معركة فرضت عليهم رغم أنهم لم يكونوا يمثلون أي تهديد في نهاية القرن الحادي عشر ومطلع الثاني عشر لدولة روس الكييفية.
في هذا الوقت كانت إمارة روس في كييف تعاني التدني الحضاري على صعد مختلفة، ومن السهل أن نخمن أن السياسة التي اتبعها سفياتوبولك كانت بعيدة عن المصالح الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية والثقافية لروس. فقد شنت الحرب مع الكومان بسبب الرغبة في أسر أكبر عدد ممكن من الرقيق وبيعهم في أسواق العبيد.
بطبيعة الحال، كان الناس في كييف غير راضين عن سياسة أميرهم سفياتوبولك، ولكن كان لديه جيش قوي قادر على تخويفهم، وكان قادته من تلك النخبة الجديدة الشابة. كان التمرد في مثل هذه الظروف يشكل مخاطرة كبيرة بالنسبة للمواطنين… لكن الموت هو نهاية كل البشر.
في عام 1113 توفي سفياتوبولك، وحينها انفجرت المشاعر الشعبية المكبوتة. شن الشعب في كييف هجمات على النظام الحاكم ونهبوا منازل العديد من النبلاء (البويار) وشنوا هجوما كبيرا لنهب المحلات التجارية لليهود المرابين.
كانت هذه هي أول مذبحة لليهود في كييف. فقد اقتص سكان كييف من التجار اليهود وأنصارهم على نطاق شعبي حقا.
لم يبارك الجميع في المدينة الأعمال العشوائية لسكان كييف التي اندلعت بشكل عفوي.
أدرك البويار الأغنياء أن النار قد تطالهم لذلك أرسلوا تجمعاً يرأسه المطران الأكبر إلى شقيق الأمير المتوفى، واسمه فلاديمير مونوماخ، الحاكم القوي ذائع الصيت بين شعبه في واحدة من الإمارات القريبة.
جاء فلاديمير مونوماخ إلى كييف في قوة عسكرية صغيرة، ولم يظهر له سكان كييف أي مقاومة، بل على العكس اعترفوا به أميرا معظما لكييف.
طالب مونوماخ بوقف تقتيل اليهود، ووعد سكان كييف بأن يقرر الأمراء مسألة الجالية اليهودية.
صرح فلاديمير مونوماخ إنه لن يصادر الممتلكات اليهودية، رغم حصولهم عليها بطرق غير شريفة. احتفظ اليهود بالحق في كل شيء اكتسبوه في إمارة روس كييف، لكنه حرمهم من حق الإقامة في البلاد.
أمر مونوماخ برحيل كل اليهود الذين جاءوا في عهد شقيقه الراحل، على أن يعودوا إلى الأوطان التي جاءوا منها ( ولا سيما ألمانيا).
خصص مونوماخ قافلة عسكرية لنقل اليهود وإجلائهم عن كييف ….
هكذا طويت صفحة من صفحات التاريخ اليهودي في روسيا..وسيعود اليهود للظهور مجددا في هذه البلاد في فترات لاحقة من التاريخ.