
شكلت الفترة من اكتوبر 2023 الى الآن نقلة نوعية في اطراف الصراع المزمن في الشرق الاوسط، فقد غابت الدول العربية تماما عن الصراع ،بينما حضرت القوى الشعبية العربية (المقاومة الفلسطينية في غزة وحزب الله في لبنان وانصار الله في اليمن والحشد الشعبي في العراق) وهو ما يشكل تحولا نوعيا ، ثم انخرطت ايران كدولة غير عربية في الصراع مباشرة وهو ما شكل التحول النوعي الثاني ، وكلاهما يعبران عن تحول في اطراف الصراع،مما يحمل معه تحولا في استراتيجيات ادارة الصراع، فقد غابت “الدولة” العربية وحضر “التنظيم الشعبي”، وتقود الحرب دولة غير عربية للمرة الاولى في الصراع العربي الصهيوني، ناهيك عن تحول فرعي يتمثل في ان الدولة غير العربية تتبنى في حربها منظورا دينيا لم تتبنه الدول العربية سابقا.
ثمة تحول نوعي آخر يتمثل في الانتقال من الحروب البرية والسعي للسيطرة على الارض الى السعي لتغيير الانظمة دون تغيير الجغرافيا الا في حدود ضيقة للغاية، فقد اتجهت الاستراتيجية الامريكية والاسرائيلية الى السعي المحموم لتغيير النظام في سوريا وايران والعراق وليبيا ..الخ ،وعدم اخفاء هذا الهدف ، وقد حققت الولايات المتحدة واسرائيل نجاحا في سوريا لكنها فشلت في ايران، واعتمدت استراتيجية تغيير النظم على “تنظيمات شعبية مصنوعة”، بالاتكاء على الاقليات والتنظيمات المعادية للانظمة القائمة ،والعمل على تحريك الشارع السياسي ،ولم تعد عمليات الانقلاب التقليدية والبيان الاول هي القاعدة كما جرى في الفترات من 1952 الى 1990، اي ان التحول يتمثل في تغيير الانظمة من داخلها بينما الآن تغيير الانظمة يتم من قوى خارجية، ناهيك عن عدم ارتباط تغيير النظام بتغيير الجغرافيا.
التحول الآخر، والذي تمثل في التطور التكنولوجي ، فقد تراجع دور سلاح الجو التقليدي لصالح سلاح الجو القائم بشكل اساسي على “الطائرات المسيرة” الاقل تكلفة بشكل كبير ، فالطائرة الحربية المتطورة تتراوح قيمتها بين 80 الى 120 مليون دولار، ناهيك عن التكلفة التشغيلية المتمثلة في الصيانة والتدريب والوقود، اما المسيرات فقيمتها –طبقا لتقديرات مراكز الدراسات الحربية – تتراوح بين:
أ- المسيرات البسيطة من 5 آلاف الى 6 آلاف دولار، اما المسيرات القتالية البسيطة فتصل التكلفة من 20 الى 50 الف دولار
ب- المسيرات المتوسطة( مثل Reaper) فقد تصل الى 30 مليون دولار
ت- المسيرات الاستراتيجية المتطورة جدا :تصل ما بين 130 الى 200 مليون دولار.
لكن المشكلة ان المسيرة (ذات القيمة 20 الف دولار) تجبر المستهدف على مواجهتها بصاروخ يتراوح ثمنه بين مليون الى 3 ملايين دولار ، وهو ما يحقق مبدأ عدم التماثل في التكلفة(Cost Asymmetry).
يضاف لهذا التحول التقني موضوع حروب المنصات الغالية مقابل حروب الاستنزاف الرخيصة.، فالى جانب التكلفة النقدية ،هناك التكلفة البشرية ، فسقوط الطيارين بيد العدو له تكلفة عالية سياسية ومعنوية، بينما المسيرات تختصر هذا الجانب تماما الى حد الصفر.
التحول الآخر في المشهد الشرق اوسطي، هو ان الاستقطاب التقليدي –كما كان الوضع في فترة الحرب الباردة- لم يعد بالوضوح ، فامريكا لم تعد مساندا لاسرائيل بل تحولت الى طرف مباشر ينخرط في الصراع تماما ، بينما لم يتجاوز الموقف الروسي(المستفبد الاول من هذه الحرب على ايران) والصيني(المعتمد الاول على نفط المنطقة) حدود “التعاطف السياسي وبعض الاسناد المعلوماتي وربما بعض المدد غير المنظور الذي يصعب تقييمه” ، مما جعل الاطراف الاقليمية بخاصة محور المقاومة يعتمد على التصنيع العسكري المحلي بدرجة عالية للغاية بخاصة في الجانب التقني الذي اشرت له.
لكن الجانب التقني كشف عن ثغرة امنية عانت منها اطراف المقاومة وهي القدرة على اغتيال اعداد غير معهودة من قيادات المحور السياسية والعسكرية والعلمية وبيسر ، ومن الواضح ان التكنولوجيا تساهم في ذلك، لكن محور المقاومة ما زال لديه قصور كبير في هذا الجانب، وأخشى ان يكون الطرف الامريكي والاسرائيلي –ومن هم وراء ستار- يتهيأون لجولة اغتيالات او تفجيرات جديدة وبوسائل جديدة.
وفي البيئة الدولية ،ثمة تحول لا مراء فيه ، ففي كل الصراعات السابقة مع اسرائيل كانت البيئة الغربية مساندة لاسرائيل بشكل كبير، لكن هذه البيئة الآن اقل تماسكا واتساقا استراتيجيا مع بعضها(بخاصة الصدع بين اوروبا وامريكا)،وهناك التوجه الواسع في الرأي العام الغربي والعالمي لنقد السياسات الاسرائيلية بشكل مختلف عن المراحل السابقة،وهو ما يتضح في الاستطلاعات وفي قرارات المحاكم الدولية وتصويت المنظمات الدولية …الخ.
رغم كل ما سبق، فان متابعتي الحثيثة –والحريصة الى ابعد الحدود عن التفكير الرغائبي- تشير الى ان ابرز المناقشات ذات الطابع الاكاديمي والعلمي والمهني تشير الى أن ايران ومحورها يقفون في وضع أفضل مما يحاول خصومهم رسمه، كما ان احتمالات اسقاط النظام انقلبت الى نتائج معاكسة فالنظام يزداد استقرارا ، فمقالات او مقابلات شخصيات مثل رئيس الاستخبارات البريطانية السابق اليكس يونغر، او المفكر الامريكي المعروف ميرشايمر او المفتش الامريكي السابق ورجل الاستخبارات سكوت ريتر او رئيس اركان الجيش الاسرائيلي نفسه او البروفيسور الصيني جيانغ شيوتشين او البروفيسور جامشيد جوكسي(جامعة انديانا- مقالاته في فورين أفيرز ) او البروفيسور إروين مانسدورف معهد دراسات القدس في اسرائيل او زوراوار سينغ المحلل الاستراتيجي المعروف من الهند واغلب مقالات مجلة Asia Times او سوزان مالوني من معهد بروكينغز او دوغلاس ماكغريغور المستشار السابق لوزير الدفاع الامريكي…الخ. ويكاد ان يجمع كل هؤلاء وغيرهم الكثير على ان “اغلب اوراق اللعبة اصبحت بيد طهران”.
ومن ابرز ما يتضح في اوراق اللعبة من مناقشات هذه العينة من النخبة الفكرية :
1- ان ايران نجحت في “عولمة ” القضية النفطية بالسيطرة على مضيق هرمز،وهو امر ضاغط وبقسوة على اجمالي الاقتصاد العالمي،وكل ما يترتب على ذلك من تداعيات على فروع الاقتصاد الانتاجية والنقدية والمواصلات والمصرفية والاسعار والتضخم و,,,الخ.
2- ان التحاق انصار الله في اليمن اضاف عبئا على عبء،فالبحر الاحمر ينقل 12% من التجارة العالمية، ناهيك عن أن انصار الله يستطيعون في حالة توسع المواجهة شل النقل حتى عبر راس الرجاء الصالح من خلال التهديد للمر الواقع بين القرن الافريقي وجزيرة سوقطرة التي تعد جيولوجيا تابعة للصفيحة العربية.ومسافاتها تطالها الصواريخ اليمينة بيسر..
3- يُجمع كل هؤلاء وغيرهم على ان حزب الله ظهر بوضع افضل كثيرا مما اعتقد البعض- وانا منهم-، ويبدو انه تجاوز قدرا كبيرا من الهزة التي اصابته ،والاغرب ان المفاجأة في اداء الحزب جاءت من شريحة واسعة من النخبة السياسية والعسكرية والاكاديمية الاسرائيلية.
4- التهديد الايراني بتوسيع ميدان المعركة –إذا تعرضت لضرب بنيتها التحتية-، وهو ما يعني ان محطات تحلية المياه ومحطات الكهرباء والمطارات المدنية والموانئ قد تتعرض لكوارث كبرى في الخليج ، وهو ما يدفع دول الخليج للتفكير مليا في تداعيات دفع الامور نحو الأسوأ.
5- يكاد ان يكون هناك اجماع بين هؤلاء المفكرين على ان الحرب البرية تحتاج لفترة اعداد لا تقل عن 5 شهور، وان اعداد القوات لمثل هذه الحرب تتجاوز كثيرا ما جرى في العراق (الذي يقل عن 20% من مساحة ايران وحوالي نصف سكانه )، كما ان طوبغرافية ايران معقدة جدا تجعل الانتشار والسيطرة على منطقة تشكل المرتفعات الأعلى من 2000 متر ما يعادل 16% من مساحة ايران، فان اضفنا الصحراء يصبح المجموع للجبال والصحاري 57%، وفيها غابات تمثل 7% من المساحة، وترى دراسات صينية وغربية ان سلسلة جبال زاغروس تمتد بشكل مواز للساحل الايراني على الخليج وحتى مضيق هرمز بطول يتجاوز 1500 كيلومتر، وتصل مرتفعاتها الى 600 متر،مما يعقد حركة الاليات التي ستنزل على الساحل ،ووجود الحرس الثوري في قمم هذه الجبال سيجعل استقرار القوات الغازية على الساحل امرا في غاية التعقيد، ناهيك عن تعقيد الامداد اللوجستي للقوات الغازية.
6- ان الحديث عن السيطرة على جزيرة خارك (Kharg) هو البديل الأفضل للقوات الامريكية،لكن هذه الجزيرة (الهامة جدا نفطيا) لا تبعد عن الساحل الايراني الا حوالي 30 كيلومتر،وهو ما يجعلها في متناول كل انواع الصواريخ والمدافع ناهيك عن الالغام المحيطة بها، ولكن وجودها قريبة من سواحل العراق والكويت، قد يجعل الدولتين –بخاصة الكويت- في وضع حرج إذا تم اعتبارها نقطة ارتكاز للقوات الامريكية لامداد من يصل الى الجزيرة.
7- ان التفاوض الذي تحاول باكستان وتركيا والسعودية ومصر ترتيبه بين الاطراف لن يكون سهلا، فايران تضع شروطا صعبة كضمان عدم تكرار الخديعة ورفع العقوبات والتعويض عن الخسائر واستمرار برنامجها النووي وعدم التراجع عن برنامجها الصاروخي (وان كانت مشروعة) وترامب يبحث عن الظهور بمظهر “المنتصر ” بينما الواقع لا يشير لذلك، ويريد ان يلجم تنامي التململ في الشارع الامريكي وبخاصة امتداده للجمهوريين وفي اوساط انصاره، ،ناهيك عن تلهفه لدفن ملفات ابستين ، وهو ما قد يدفعه لافتعال “دربكة اخرى” ليصنع اعذارا اقبح من ذنوبه.
أخيرا، لفت انتباهي ان التعبيرين الأكثر تكرار بين اقوال وكتابات هذه العينة من الخبراء هما: ان ترامب وقع في فخ نصبه بيديه او نصبه له نيتنياهو ، اما التعبير الثاني فهو انه في “وضع يائس”…ما مدى صحة هذا التقييم ..لنعد الى ربما.