تقارير وتحقيقات

هيجسيث يوسع حضور المسيحية القتالية داخل الجيش الأميركي

ظهرت آية من سفر المزامير مطبوعة فوق مشاهد لطائرات مقاتلة، وعمليات إطلاق صواريخ، وجنود في القتال، تقول: «لاحقت أعدائي فأدركتهم، ولم أرجع حتى أفنيتهم».
*صحيفة The Hill الأميركية*
خلال إحاطته بشأن الحرب مع إيران الأسبوع الماضي، اقترح وزير الدفاع الأميركي بيت هيجسيث أن يجثو الأميركيون على ركبهم ويصلوا ليسوع من أجل نجاح القوات الأميركية في الشرق الأوسط. وبعد أيام قليلة، تلا موعظةً يدعو فيها إلى أن تُسلم «الأرواح الشريرة» إلى «اللعنة الأبدية» في سياق القتال ضد إيران.
وزير الدفاع بات يستخدم منبره الرسمي على نحو متزايد للترويج لنسخته القتالية والمثيرة للجدل من المسيحية. وبينما يقول البنتاجون إن هيجسيث يتبنى التاريخ الأميركي الذي يفخر بجذوره المسيحية، يخشى بعض الخبراء والمحاربين القدامى أن تهدد مساعيه لحقن الجيش بمشاعر دينية أكثر صراحة وحدة القوات الأميركية.
وقال ماثيو تايلور، وهو باحث زائر في مركز بيركلي للدين والسلام والشؤون العالمية بجامعة جورجتاون: «أعتقد أن الطريقة التي يعمل بها مثيرة للقلق للغاية. وهي مقلقة بالنسبة إليّ كمسيحي، ومقلقة بالنسبة إليّ كأميركي».
وأضاف: «الانغلاق الأيديولوجي داخل الجيش أمر لم نكن نريده تاريخياً. نحن نريد جيشاً متنوعاً. نريد جيشاً يعكس الشعب الأميركي».
هيجسيث، الذي خدم في العراق وأفغانستان قبل أن يصبح مقدم برامج في “فوكس نيوز”، أشرف على صلوات داخل مبنى البنتاجون قادها قساوسة مسيحيون مثيرون للجدل، وأعاد هيكلة سلاح الوعاظ العسكريين، كما أن منشورات وزارة الدفاع الرسمية على وسائل التواصل الاجتماعي كثيراً ما تروّج لآراء مسيحية محافظة للغاية.
وخلال الإحاطات الصحفية بشأن الحرب الأميركية-الإسرائيلية الجارية ضد إيران، دأب هيجسيث على استحضار إيمانه الديني عند التطرق إلى النزاع. ففي 10 مارس، وبعد يوم واحد من حضوره مراسم نقل مهيبة في قاعدة دوفر الجوية بولاية ديلاوير، استشهد بالمزمور 144 من الكتاب المقدس.
وقال: «مبارك الرب، صخرتي، الذي يدرب يدي على القتال وأصابعي على الحرب. هو إلهي الرحيم وحصني وملجئي ومخلصي، ترسي الذي به احتميت».
وفي الآونة الأخيرة، أعاد هيجسيث تنظيم سلاح الوعاظ في الجيش الأميركي، معلناً يوم الثلاثاء أن الضباط لن يعودوا يضعون شارات رتبهم العسكرية، بل سيضعون بدلاً منها شارات تعكس انتماءهم الديني، وذلك في إطار اثنين من التغييرات الكبرى التي طالت هذا الجهاز.
وقال هيجسيث في رسالة مصورة إن الصحة الروحية للعسكريين «لا تقل أهمية» عن صحتهم الجسدية والنفسية، منتقداً الإدارات السابقة لأنها، على حد قوله، أفسدت سلاح الوعاظ بـ«الصوابية السياسية والإنسانوية العلمانية»، وغيّرت وظائفه الأساسية وخففتها «إلى أن بات كثيرون ينظرون إليهم على أنهم ليسوا أكثر من معالجين نفسيين».
وقبل اختياره وزيراً للدفاع، هاجم هيجسيث جهود الجيش لتعزيز مبادرات التنوع والمساواة والشمول، واصفاً إياها بأنها أيديولوجيات تمييزية «تنفّر الشباب الوطنيين المسيحيين الذين شكّلوا تقليدياً عماد صفوفنا».
وبحسب بيانات وزارة الدفاع لعام 2019، فإن نحو 70% من أصل 1.3 مليون جندي في الخدمة الفعلية هم من المسيحيين.
وفي عامه الأول على رأس البنتاجون، أقر هيغسيث سياسةً تحظر خدمة المتحولين جنسياً في الجيش، وأزال مفاهيم التنوع من صفوف المؤسسة العسكرية، وبدأ مراجعة بشأن ما إذا كان ينبغي للنساء الخدمة في الأدوار القتالية، بل وأعاد أيضاً تقييم الشراكة المستمرة منذ أكثر من مئة عام بين وزارة الدفاع ومنظمة “Scouting America” بسبب سماحها بانضمام الفتيات.
وخلال اجتماع غير مألوف إلى حد بعيد جمع جنرالات وأمراء بحرية في سبتمبر بمدينة كوانتيكو بولاية فرجينيا، تحدث عن الصلاة ويسوع و«كل الأرواح الثمينة المخلوقة على صورة الله ومثاله»، إلى جانب حديثه عن خطط لمعايير لياقة بدنية جديدة والعودة إلى «أخلاقيات المحارب».
وفي الربيع الماضي، أطلق خدمة صلاة شهرية في البنتاجون، دعا إليها شخصيات مثيرة للجدل مثل دوغ ويلسون، وهو قس يصف نفسه بأنه قومي مسيحي وكان قد جادل بأن النساء ينبغي أن يُحرمن من حق التصويت، وذلك لإلقاء موعظة في قاعة المبنى.
وأثارت الزيارة شكاوى وموجة استنكار.
وكتب فريد ويلمان، وهو محارب قديم في الجيش ويترشح للكونجرس في ولاية ميزوري، على منصة “إكس” آنذاك: «هيجسيث يستخدم منصبه الرسمي لجعل دينه هو الدين الرسمي لوزارة الدفاع، مستخدماً منشآت رسمية وقنوات اتصال وموظفين رسميين. يجب أن يتوقف هذا الأمر ويجب التحقيق فيه».
وقالت نانسي لاكور، وهي أميرال متقاعد في البحرية وتترشح للكونغرس عن الدائرة الأولى في ساوث كارولاينا، إن دعوة ويلسون «ترسل رسالة واضحة ومقلقة إلى قواتنا: ليس جميعكم موضع ترحيب. هذا خطأ، وليس هذا هو الجيش الذي خدمت فيه، حيث كان التنوع مصدر قوتنا وكانت الوحدة هي الوسيلة التي أنجزنا بها المهمة».
لكن مسؤولين في وزارة الدفاع دافعوا عن حضور ويلسون وعن الجهود الأخرى التي بذلها هيغسيث لإدخال الدين إلى القوات المسلحة.
وقالت المتحدثة باسم البنتاجون كينغسلي ويلسون: «الوزير هيجسيث، مثل ملايين الأميركيين، مسيحي يعتز بإيمانه، وكان سعيداً بالترحيب بالقس ويلسون في البنتاغون».
وأضافت: «الإيمان المسيحي منسوج بعمق في نسيج أمتنا. وعلى الرغم من جهود اليسار لإزالة تراثنا المسيحي من أمتنا العظيمة، فإن الوزير هيغسيث من بين الذين يتمسكون به».
وحتى الآن، عقد رئيس البنتاجون ما لا يقل عن 10 من خدمات الصلاة هذه، وهي فعاليات اختيارية الحضور، وكان من بين المدعوين الآخرين بروكس بوتايجر، قس كنيسة هيجسيث في تينيسي؛ وإدوارد جراهام، وهو واعظ إنجيلي وحفيد بيلي غراهام؛ وكريس دوركين، الذي يقود جماعة معمدانية جنوبية في نيوجيرسي وكان هيجسيث قد نسب إليه سابقاً الفضل في تحوّله الديني.
وهيجسيث، الذي أصبح الآن من رواد إحدى الكنائس التابعة لاتحاد “الكنائس الإنجيلية المُصلحة”، المرتبط بدوغ ويلسون، أعاد نشر مقطع من “سي إن إن” عن القس على حسابه الشخصي، مرفقاً بعبارة: «كل المسيح لكل الحياة»، وهو شعار يدعو إلى تبني المسيحية في كل مجالات المجتمع، بما في ذلك الحكومة والثقافة والعمل والأسرة.
وفي الشهر الماضي، كان المتحدث الرئيسي في مؤتمر الإعلام المسيحي الدولي لعام 2026 الذي نظمته “الرابطة الوطنية للمذيعين الدينيين” في ناشفيل. ونشر حساب “الرد السريع” التابع للبنتاجون على منصة “إكس” عشرة مقاطع فيديو من كلمته، التي روج فيها لخدمة الصلاة المسيحية الشهرية، ودفع بآراء مناهضة للمتحولين جنسياً، وقال إن نسيج البلاد «منسوج بخيوط المبادئ التوراتية».
وقال في خطاب ألقاه في 19 فبراير: «لقد انتهى عهد التنوع والمساواة والشمول الإلحادي والمثير للانقسام، وانتهى عهد المساواة التي تخلط بين الجنسين والحصص، وانتهت عبادة تغيّر المناخ بوصفه إلهاً زائفاً. نحن جيش واحد، وقوة قتالية واحدة، وأمة واحدة تحت ظل الله. لسنا نؤمن باليقظة السياسية، بل نؤمن بالله».
وتظهر الرسالة نفسها أيضاً بشكل متكرر في الحسابات الرسمية للبنتاجون على وسائل التواصل الاجتماعي.
ففي أحد المقاطع المنشورة على “إكس” في أغسطس، ظهرت آية من سفر المزامير مطبوعة فوق مشاهد لطائرات مقاتلة، وعمليات إطلاق صواريخ، وجنود في القتال، تقول: «لاحقت أعدائي فأدركتهم، ولم أرجع حتى أفنيتهم».
وفي مقطع آخر من سبتمبر، ظهرت عبارة من سفر يشوع فوق فيديو لعسكريين ينجزون تدريباً ميدانياً في الهواء الطلق: «تشدد وتشجع. لا تخف ولا ترتعب، لأن الرب إلهك معك حيثما ذهبت».
وهيجسيث يرتدي إيمانه المسيحي حرفياً على جسده، إذ يحمل على ذراعه وشماً بعبارة “Deus Vult” أو «مشيئة الله»، وهو شعار يعود إلى الحروب الصليبية، كما يحمل على صدره وشماً يصور «صليب القدس». ويرتبط الرمزان بجماعات متطرفة وباليمين المسيحي.
وقال ستيفن بوتشي، وهو زميل زائر في مؤسسة “هيريتدج”، إنه يعتقد أن القلق من التدين الحماسي لهيغسيث أقل بكثير مما يظنّه بعض المعلّقين.
وأضاف بوتشي، الذي خدم سابقاً ضابطاً في القوات الخاصة بالجيش ومسؤولاً في البنتاغون: «في الجيش يبدأون كل فعالية بصلاة افتتاحية من قِبل واعظ، وهم يحاولون تحديداً أن يكونوا حسّاسين تجاه الناس، ولا يسعون إلى تبشير أحد بمذهبهم الخاص أو حتى بأي دين».
وتابع: «أعتقد أن فكرة ذكر اسم يسوع عندما يقول هيغسيث: صلّوا من أجل قواتنا، هي ببساطة الطريقة التي يصلّي بها هو، وهو لا يفرض على أحد أن يصلّي بهذه الطريقة. ولا يحاول الانتقاص من أي إيمان آخر أو من غياب الإيمان، لكنها الطريقة التي ينظر بها إلى قواته».

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى