كتاب وشعراء

أنا أمٌّ عاديّة… هاجر رقيق / تونس

أنا أمٌّ عاديّة
غير أنّ حليبي ينزلُ أزرق اللّون:
كلّما فتحت الأحزان فمها، تدفّقَ من قلمي.
اكتشفتُ أمومتي في الخامسة عشر،
توسّع قطر فمي إلى 10 سنتيمترات
و لفظتُ قصيدتي الأولى إلى العالم،
ملُطّخةً بحزني مثل وحمة ضخمة.
من يومها و أنا أمشي بأبجديّةٍ متكوّرة،
أضمُّ رجليَّ إلى بعض
مخافة أن تسيلَ منّي القصيدةُ إلى الأرض.
أنا أمٌّ عاديّة،
أخرجُ مسرعةً من قسم التّوليد إلى الحزن،
ألفّهُ في قماطٍ من الورق الأبيض،
أرضعهُ حولين كاملين من حبري.
في الثّامنة عشر،
اشتريتُ للبلاد صدريّتها الأولى
بعد أن أثقلتها مصائبُ الحرب.
الدّمّ الذي تسرّب من بيوتها و شوارعها
كان خللاً هرمونيًّا بالكون
لازلتُ أبحثُ عن علاجه.
في آخر اليوم، تعود لي البلادُ برجلين مكسورتين
لأنّ شِلّةً من المآسي تعرّضت لها في الطّريق
و خانقتها.
لم يكن بحوزتي سوى قلمٍ واحد
أستعملهُ على أنّه طرفٌ صناعيّ
لأُقوِّم به مشيةَ القَدَر و هو يعرجُ نحوي.
في الخامسة و العشرين،
حملتُ قصائدي على ظهري،
كأيّ أمٍّ تخشى على أطفالها أن يمشوا
فوق الفقدان،
و نزحتُ إلى الضفّة الغربيّة.
تستطيعُ أن تُميّزَ خيمتي من حبلِ الغسيل.
كنتُ أنشرُ دفتري مع بقيّة الملابس
حتّى تجفَّ آهاته،
أغيّرُ غلافه كما أغيّرُ القميص
حتّى لا يلحظ أحدٌ عليهِ رائحة القلق.
الآن أنا في الثّلاثين من عمري تقريبًا،
أمٌّ عاديّة،
عاديّةٌ جدًّا حتّى أنّها تنسى من كثرةِ أبنائها
من مات منهم
و من ٱختبأَ داخل القصيدة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى