
ليست كل التهديدات مقدمة لحرب، وليست كل الحشود العسكرية إعلانًا لساعة الصفر. في كثير من الأحيان، تكون الضوضاء العالية غطاءً لبحثٍ هادئ عن مخرج. هذا ما تعكسه التصريحات المنسوبة إلى دونالد ترامب، التي تجمع بين التلويح بالتدمير الشامل، والحديث في الوقت ذاته عن تفاوض مع “نظام إيراني أكثر عقلانية”. تناقضٌ ظاهري، لكنه في الحقيقة انعكاس لمأزق استراتيجي عميق.
الولايات المتحدة تجد نفسها أمام خصم لا يُحسم بضربة واحدة. إيران، بحجمها وتركيبتها وقدراتها غير التقليدية، ليست هدفًا سريع الانهيار، بل ساحة حرب مفتوحة إن بدأت، يصعب التحكم في نهاياتها. وهنا تظهر الحقيقة الصلبة: القدرة على التدمير لا تعني القدرة على الحسم.
أول عُقدة في المشهد هي الجغرافيا.
مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل نقطة اختناق عالمية للطاقة، وأداة ضغط بيد إيران. أي محاولة للسيطرة عليه لا تعني فقط تأمين الملاحة، بل تستلزم:
تمهيدًا جويًا واسعًا وطويلًا يشمل مواقع الصواريخ ومراكز إنتاجها داخل العمق الإيراني
عمليات بحرية معقدة لمواجهة الألغام والزوارق المسيّرة والغواصات
تحييدًا للقوات البرية القادرة على التدخل لحماية المضيق
أي أن السيطرة هنا ليست عملية موضعية، بل حرب متعددة الجبهات.
ثم تأتي المعضلة الأخطر: الحرب البرية.
الدرس القاسي منذ حرب العراق 2003 ما زال حاضرًا. إسقاط الأنظمة قد يكون سهلًا، لكن السيطرة على الأرض شيء آخر تمامًا. وفي الحالة الإيرانية:
لا يمكن الاعتماد على قوات محمولة جوًا أو إنزال محدود
الأمر يتطلب حشدًا بريًا ضخمًا طويل النفس
تضاريس إيران الوعرة واتساعها يجعل أي تقدم بطيئًا ومكلفًا
والأهم: من أين تبدأ هذه الحرب؟
الدول المحيطة بإيران – من تركيا إلى باكستان مرورًا بـ العراق – ليست ممرات مفتوحة لغزو، بل ساحات معقدة سياسيًا وأمنيًا. وحتى الجبهة العراقية تظل محل جدل، نظرًا لتشابك النفوذ داخلها.
في المقابل، يظل الدور الإقليمي محدود السقف.
إسرائيل قد تنخرط بقوة جوية واستخباراتية، لكنها بعيدة عن أي سيناريو بري داخل إيران.
ودول الخليج العربي، حتى الأكثر تقاربًا مع واشنطن، تدرك أن مشاركتها لن تتجاوز:
الدعم اللوجستي
التسهيلات العسكرية
وربما الغطاء السياسي
دون الانخراط في مواجهة مباشرة واسعة.
يبقى المجال الأقل كلفة: الحرب الإلكترونية.
هي الأداة الأسهل والأكثر استخدامًا في مثل هذا الصراع، عبر استهداف البنية التحتية والاتصالات، لكنها – رغم فعاليتها – لا تحسم حربًا، بل تمهّد أو تضغط.
فوق كل ذلك، تقف السياسة كقيد حاسم.
الكونجرس الأمريكي ليس مجرد تفصيل، بل عامل يحدد سقف المغامرة. الحروب الطويلة تحتاج غطاءً سياسيًا داخليًا، وهو ما يبدو صعبًا في ظل الرفض المجتمعي والرسمي في الداخل الأمريكي وكراهية الصراعات الممتدة.
كل هذه المعطيات تقود إلى نتيجة واحدة:
السيناريو العسكري الشامل ممكن نظريًا، لكنه بالغ الكلفة عمليًا—زمنيًا، وبشريًا، واستراتيجيًا. قد يمتد لأشهر طويلة، وربما يتجاوز عامًا، مع الحاجة إلى ترتيبات مستدامة لضمان استمرار السيطرة، خاصة في مناطق حساسة كالمضيق.
من هنا، يصبح التفاوض ليس تراجعًا، بل اختيارًا عقلانيًا.
التهديد بتدمير البنية التحتية الإيرانية ليس بالضرورة خطة تنفيذ، بل أداة ضغط لدفع الخصم نحو تسوية.
الخلاصة:
الولايات المتحدة لا تقترب من الحل السلمي لأنها عاجزة عن الحرب، بل لأنها تدرك أن هذه الحرب تحديدًا قد تكون بلا نهاية واضحة، وبلا نصر حاسم.
وفي عالم تحكمه الحسابات، لا الشعارات، يصبح التفاوض—حتى تحت صوت القصف—هو الخيار الأكثر واقعية… لا هروبًا من الحرب، بل تجنبًا للغرق فيها.
#بالعقل_والهداوة