
عندما تتورط عائلة في مشاحنات مع عائلات أخرى، وتشعر بالعجز عن مناطحتهم، وتقرر اللجوء للأعمال القذرة، فإنها تلجأ إلى “مجنون العيلة”، تختار شخصا أرعن من العائلة، وتوكل له القيام بالمهام القذرة، حتى إذا تعرضت للإنتقاد أو المساءلة، تتبرأ من تلك الأفعال، وتشير إلى أن مجنون العيلة هو من اقترفها، ولا مسئولية عليها تجاه أعمال جنونية.
هذا ما يبدو أن الطبقة الحاكمة في الولايات المتحدة قد توصلت إليه، ولم يكن صعود ترامب الواضح عليه الأمراض النفسية والذهنية محض صدفة، فما يعاني من أمراض النرجسية وادعاء القوة والإنفلات والبذاءة تتناسب مع الأدوار الضرورية لإنقاذ أمريكا المريضة .. عندما نجد ترامب يعلن عن غزو جرينلاند وضم كندا واجتياح فنزويلا وكوبا، وأنه يبسط سيطرته بالقوة على نصف الكرة الغربي، وأنه رئيس فنزويلا، وسيختار رئيس وزراء العراق ومرشد إيران، والكثير جدا من الأعمال الرعناء والبذاءة المتعمد باستخدام مؤخرته أكثر من مرة، وادعاء أن قادة العالم يقفون طوابير يريدون لعق مؤخرته حتى يخفض الرسوم الجمركية، وتكرار استخدامها في حديثة عن ضرورة أن يدفع محمد بن سلمان، وأن يكون لطيفا معه بمعنى “خليك حلو معايا، وادفع، وطبع، وإلا”
إن ترامب يعبر عن مأساة طبقة تترنح وإمبراطورية تأفل، واستفحلت أمراضها الإقتصادية، بديون وفقاعات وتراجع في مختلف المجالات، وتفقد السباق أمام الصين ودول شرق آسيا البازغة، وانهيار أخلاقي عبرت عنه جزيرة ابيسن، بما يجري فيها من إنحطاط أخلاقي لا يمكن تخيله بين نخبة أمريكية.
وكان لجوء ترامب للقوة العسكرية المنفلتة هو الحل الذي يبدو وحيدا، وبها يمكنه فرض أتاوات على الدول، خاصة الثرية والضعيفة، وكان اختياره لفنزويلا لكونها ترقد على كمية ضخمة من النفط، لكنها تعاني الحصار والفقر، ومع ذلك كان البنتاجون حذرا من عدم النزول إلى اليابسة الفنزويلية، لأن غاباتها وجبالها ستكون حصنا لشعبها الذي سيزود عن حريته وثروات بلده، فكانت “عملية اختطاف هوليودية الطابع”، وضغوط على النخبة الحاكمة، وهو ما منحه بعض المكاسب المحدودة من نفط فنزويلا، لكن نتنياهو الخبيث تمكن من جر ترامب إلى حرب ليس مهيأ لخوضها، لكن نتنياهو أراد خوضها اليوم قبل الغد، لأن الوقت ليس في صالح الكيان، الذي يعرف أن أمريكا ستأفل، بينما تسطع شمس الشرق، ومعها إيران، العدو اللدود الأكثر خطورة على مشروع الكيان، بل وجوده. هنا ارتطم “الحجر الداير” ترامب بصخور جبال زاجروس والبرز، فكانت فاجعة ترامب التي لم يتخيلها، لأنه بلغ من النرجسية وادعاء القوة المفرطة حد عدم القدرة على تصور من يتحداه من العالم الثالث، وها هو يغرق بتصعيد يجر الآخر حتى الخراب .. إيران قادرة على التحمل، بعكس أمريكا والكيان ودول الخليج، التي كانت وما تزال ضرعا تمتص أمريكا عائداته النفطية الهائلة، وإذا بها تدوسه مثل فيل يترنح داخل محل خزف في صراعه مع شعب حصاري، اخترع الشطرنج، ويحترف نسج السجاد بدقة وصبر ومهارة، ولن يفر من معركة، مثلما لم يتوانى الحسين عن مقارعة جيش يزيد.
لحطة تاريخية فارقة، سيكون لها ضحاياها، لكنها ستتمخض عن عالم جديد، ينتهي فيه استعلاء الغرب الذي يغرب، ومعه من يتماهون فيه، وكأن فوز الغرب فوز شخصي لهم.