رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :الوقوع في البراءة

ـــــــــــــــ “أنا هوامش مدينة ليس لها وجود، أنا التعليق المسهب على كتاب لم يكتب، لست بأحد أنا، لا أحد”* فرناندو بيسوا.
من العبارات التي تتردد في الفترة الأخيرة عبارة : الخروج من القطيع،
كما لو أن الخروج من القطيع مجرد رغبة كالخروج من حفل أو مكان أو علاقة أو قطار او بقالية ،
مع أن الخروج من القطيع يتطلب ولادة ثانية مختلفة عن الذات القهرية المصنعة واعادة صياغة للشخصية وتحمل مشاق الخروج،
بمنظومة ثقافية وفكرية مضادة وثبات مبادئ وأحاسيس وليس كل ربع ساعة أمام شخصية.
في الأزمنة القديمة وأمام مخاطر الطبيعة كان الخروج من الجماعة يعني انتحاراً أو تهديداً وربما الموت لذلك ترسخ في العقل البشري ان السلامة في الاقامة مع الجماعة لا في التفرد مع ان التفرد لا يلغي الانتماء للجماعة كما في دول الحداثة.
كما ان الأغلبية توفر مشقة البحث عن الخيارات الجاهزة وفكرة النبذ والاقصاء والخلع عن الجماعة تعني النفي ومواجهة الوحدة والمصير. اليوم سوء الفهم في الخروج عن القطيع لا يعني الانكار ولا التخلي ولا الاحتقار بل هو الوعي الذاتي والابتعاد عن الضجيج والتفكير النقدي وليس التلقين.
الخروج يعني الاستقلالية الفكرية لأن الجماعة ليست مصدر الخطأ والصواب والحق والباطل منذ أقدم العصور ومنذ سقراط الى تمرد الأنبياء وفلاسفة التاريخ. الاستقلالية تعني اكتشافك أنت للحقائق لا أن تجدها مشوهة انتقائية من أفواه الناس. أن تمشي مع الجميع لكن خطوتك وحدك بتعبير الشاعر سعدي يوسف.
من تجارب شخصية وجدت أن غالبية دعاة الخروج من القطيع،
هم القطيع نفسه وكثيراً ما تزحلقت خلف هذا الشعار لأنني من جيل يثق بالكلمات لأنها وعود وعقد شرف،
وصار تقمص أي شخصية لا يتطلب جهداً وبعض النماذج يستطيع أن يتحول فجأة من فأر ناقع بالدهن الى نابليون،
ومن مهجورة من زبال الشارع ومن نفسها الى كلوديا كاردنيالي او غادة السمان ، ومن شخص لا يفرق بين حرف الألف وحنفية الماء الى حفيد سقراط، ومن أرنب يخاف او تخاف من جرس عربة النفط الى سيمون دي بوفوار او صوفيا لورين في صفحات التواصل التي تحولت الى فخاخ صيد مغطاة بأناقة بالشعر والفلسفة والحكم.
غالباً ما نقع نحن في هذه المصايد والفخاخ ومن حسن الحظ، بسبب النشأة والظروف، يعمل جهاز الوقاية من الصدمات كالصيدليات الخافرة،
وكلما تحدثت مع شخص لا يحب القطيع،
دوت أجراس الانذار الداخلية واشتعلت مصابيح متقطعة منذرة بغيوم سوداء.
صارت عبارات الفلاسفة والكتاب الكبار المبتورة من سياقها هذه الأيام كاعلانات المحلات للترويج،
وتم افراغ تجارب هؤلاء العظيمة من محتواها، وتحولت الى واجهات تجارية للتسويق،
وصار وضع صورة او عبارة لمحمود درويش او نيتشة او دويستوفسكي بمثابة مصيدة مغطاة بأناقة نقع فيها بدافع الامل بعلاقة نظيفة وتحت هاجس الحنين الى صداقة حقيقية بعد ان فرقتنا السبل والاماكن وتحت شوق الامل بحوارات بترتها الايام وسنوات الغربة.
تعتبر رواية الأبله من أعمال دويستوفسكي الكبرى، وتتعرض الرواية لحياة ميشكين البريء الذي وصف بأنه ابله وساذج ومعتوه، لكن هل حقاً هو كذلك؟
هو أبله من وجهة نظر المجتمع وليس الكاتب. فكرة البريء والنبيل في مجتمع منافق فكرة محورية في أعمال دويستوفسكي الذي قال عنه عالم النفس الشهير فرويد:
” منه تعلمت الغوص في أعماق النفس البشرية”.
يعتقد ميشكين وهو شخصية دويستوفسكي نفسه للتطابق بين الشخصيتين
في السيرة في الربع الاخير من القرن التاسع عشر، إن البراءة منقذة من العاهات ومن التشوه بل من الخطر، لان البراءة طبيعة وليست ثقافة ولا يمكن تعلمها كما لا يمكن التخلي عنها بقرار لأنها لا تخضع للارادة كما لا يستطيع طائر أن يقرر ألا يطير وشمس لا تشرق وغيمة لا تمطر.
حتى أخطاء البريء لا تنبع من قصد أو تخطيط بل تشابك ظروف ومناخ الخطأ وغياب وضوح الأشياء كمن يدخل في منجم فحم لا يخرج بلا بقع سوداء.
الوقوع في البراءة كالوقوع في حفرة عميقة في الظلام في مجتمع كل شيء فيه قصدي ويحمل معنى غير معناه والف تفسير لكل كلمة عفوية لأن النظارات المغبرة لا ترى الحقول المضيئة المشرقة. مجتمع بلا ثقافة قانونية بل ذهنية السرديات الشفوية والوصم المرتجل والعناوين الكبيرة بلا تفاصيل تصنع الحدث.
العقل المُلقّن يميل الى الاستنتاجات المبسطة المختصرة الجاهزة القطعية، الأبيض والأسود والغاء مساحات رمادية هائلة، بدل مشقة البحث والتفكير التي تتطلب عقلية مستقلة وواثقة.
الاستسلام لرأي الجماعة هو غريزة بقاء لكنها أداة تدمير للشخصية والغاء للعقل. عندما تصبح أفكار الجماعة سائدة يتحول المجتمع الى مصنع لانتاج النسخ والقطيع والأفكار المتشابهة وينعدم الابداع والابتكار ويسود الاجترار، والمنخرط في القطيع لا يحتاج الى من يقمعه لأنه يعرف ماذا تريد أو لا تريد الجماعة “ويتخوزف بمحض ارادته بلا إكراه ولا بطيخ” بلغة الشاعر مظفر النواب.
هذه القناعات هي المأزق لأن الانسان يقع ضحية ثقته بنبل القلب البشري بتعبيره: نبل القلب مصيدة لا ينجو منها البريء، وضحايا نبل القلب أكثر من ضحايا الحروب لكن بصمت.
يعتقد دويستوفسكي وهو أهم من غاص في أعماق الذات البشرية،
إن الجمال والنبل والبراءة قد تكون حامية ومنقذة، ويعتقد إن الجمال من الألغاز لذلك يأتي الجمال في أعماله مقرونا بالصمت،
وهو يقول إن الجمال شيء رهيب وفظيع في الوقت نفسه لأنه سينقذ العالم،
وبهذه المثل العليا دفع دويستوفسكي بطله ميشيكن في مجتمع
منافق ومشوه لا يحكم على الافعال والحياة من هذه المعايير النقية
بل من معايير مختلفة ومغبرة.
ورطة ميشكين هو أنه يروي للآخرين بحضورهم ما يقولونه هم عن بعضهم في السر،
فتنقلب الأشياء ضده ويبقى هو مندهشاً لأن صراحته ووضوحه
وبراءته تقوده الى هذه الورط. ورطة الوضوح.
وصف الناقد جوزيف فرانك هذه الرواية بأنها أكثر أعمال دويستوفسكي تجسيداً لقناعاته الشخصية.
وصفها الناقد غاري موريسون بأنها أكثر رواية تنتهك المعايير الحرجة
لكي تصل الى العظمة الحقيقية.
البراءة ليست ثقافة لكي تنصح البريء بالتوقف عن براءته بل هي طبيعة،
لذلك ينتقل” المصاب” بها من ورطة الى أخرى. انها الثغرة التي ينفذ من خلالها كل أنواع الشر.
لا تستطيع أن تطلب من غيمة لكي لا تمطر، ولا من طائر لكي لا يغرد،
ولا من نهر أن يغير مجراه ولا من قمر لا يضيء كذلك لا تطلب من البريء أن يتعلم من الأخطاء. هو محكوم بالنظافة والوقوع في الاخطاء.
رغم ان حياة دويستوفسكي كحياة شخوصه كانت مليئة بالمخاطر
والالام والصراعات لكنه لم يتراجع أو يندم، لانه يحتكم الى مبادئ وليس الى أشخاص،
لذلك حافظ على سلامة الخطوة بثقة تامة حتى يومه الاخير هو القائل:
” كن مختلفاً ولو صرت وحيداً”.
التحجج برأي الناس Argumentum ad Populum لم يكن صحيحاً عبر التاريخ وكما يقول الفيلسوف رينيه ديكارت: “لا يمكن اعتبار كثرة الأصوات دليلاً على الحقائق الصعبة الاكتشاف، إذ من المحتمل أن يجدها رجل واحد أكثر مما يجدها شعب بأسره.”
اكتشاف الذات والفردية في مجتمع التشابه والتطابق والنسخ كالسباحة في بحيرة تماسيح التي تهاجمك لا لأنك مخطيء بل لأنك واضح ومن يسبح في هذه البحيرة لا يفكر في انصاف لأن عقل التمساح في أنيابه ومخالبه.
النجاح رحلة وليس اتجاهاً، سفر وليس محطة وفي هذه الرحلةستواجهك خيبات وهزائم ونكسات لكنك بفضلها ستنضج وتتعلم الحكمة وتتذوق اعمق الجمال ،
ستتعلم ان المشي الهادئ الصامت طريق الوصول الى الهدف،
والذين استعجلوا في الوصول، وصلوا الى أهداف صغيرة وسهلة وليست أهدافاً نائية وكبيرة. قد يصل كثيرون الى المحطة الاخيرة لكن هناك من يواصل السفر.
لأنك لست في عزلة عن الحياة الحقيقية بل في قلبها لكن عزلة عن الضجيج:
“أنت في وحدتك بلد مزدحم” كما قال الشاعر رافائيل البرتي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى