كتاب وشعراء

ضجيج الروح… بقلم عباس الصالحي

هنا في أعماق هذا الكيان المتعب، لا يسكن الصمت كما يظن العابرون، بل تضج الروح بحكاياتٍ لا تروى، وتئن بأصوات لا تسمع.
هناك حيث تتوارى الابتسامات خلف أقنعة الأيام، تختبئ حقيقة الإنسان؛ ذلك الكائن الذي يتقن إخفاء أوجاعه أكثر مما يتقن البوح بها.
إنها الروح حين ترهقها الخيبات، فتبحث عن نافذة ضوء فلا تجد سوى ظلالٍ تتكاثر، وحين يخذلها الواقع، تعود مسرعة إلى أحلام كانت يوما ملاذها الآمن.
تشتاق إلى عالم بسيط، نقي، لا تثقل كاهله المصالح، ولا تفسده الأقنعة؛ عالم تقال فيه الكلمات بصدق، وتمنح فيه القلوب دون خوف، وتزهر فيه الطمأنينة كما تزهر الأزهار في الربيع .
ولكن هنا حقيقة الوجع , أن تعيش الروح بين عالمين؛
عالم تتمناه بكل جوارحها، وآخر تجبر على التأقلم معه بكل ما فيه من تناقضات.
فتراها تارة تحلق في فضاء الأمل، وتارة تهوي إلى قاع الخيبة، وكأنها عالقة بين جناحين؛ أحدهما من نور، والآخر من وجع.
ورغم كل هذا الضجيج، يبقى في داخلها شيء يشبه المعجزة… شيء يرفض الانكسار، يرفض أن يموت.
ذلك هو الأمل، ذلك النبض الخفي الذي يعيد ترتيب الفوضى، ويهمس لها في لحظات الانطفاء:
“ما زال في العمر متسع لحلم جديد”.
فالروح، مهما أثقلت، لا تنطفئ تماماً… بل تتوهج بصمت، تنتظر لحظة صفاء، لحظة صدق، أو ربما قلبا يشبهها، ليعيد إليها اتزانها المفقود.
وهكذا، يبقى ضجيج الروح ليس ضعفا كما نظن، بل دليل حياة… دليل أن في داخلنا شيئا ما زال يقاوم، ما زال يحلم، وما زال يؤمن أن الجمال، وإن تأخر، لا بد أن يأتي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى