
الحسم بيد الرضوان … متى تعبر ؟!
ميخائيل عوض / لبنان
لم يعد ممكناً قراءة الحرب الجارية بعين القرن العشرين، ولا بعقيدة الحسم السريع التي حكمت صراعات القوى الكبرى لعقود. ما نقدّمه يتجاوز توصيف معركة أو جبهة، لنطرح إطارًا أوسع “نحن أمام ولادة عالم ما بعد الهيمنة الأمريكية.”
في هذا العالم الجديد، تتآكل فكرة الانتصار الخاطف، وتفقد القوة العسكرية التقليدية قدرتها على فرض النتائج النهائية. لم يعد التفوق التكنولوجي كافيًا، ولا كثافة النيران حاسمة، لأن الحروب لم تعد تُخاض فقط في الميدان، بل في الزمن ذاته.
هنا، يصبح الاستنزاف هو اللغة الحاكمة إذ تُدار الحروب على إيقاع طويل وتُستنزف الإرادات قبل الجيوش ويُقاس التفوق بقدرة البقاء لا بسرعة الحسم
إنها مرحلة يتحول فيها الصبر إلى شكل من أشكال القوة، بل إلى أداة استراتيجية بحد ذاته. فالدول والقوى التي تستطيع امتصاص الضربات، وإعادة إنتاج قدرتها القتالية، وفرض إيقاعها الزمني على الخصم، هي وحدها القادرة على ترجيح الكفة.
في هذا السياق، تأتي قراءتنا لتقدم تفسيرًا جذريًا للحرب الجارية، ليس بوصفها مواجهة عسكرية، بل لحظة انتقال تاريخي في طبيعة الصراعات الدولية.
*أولًا: الحرب تحت الحزام النووي… عندما تفقد الحروب سقفها*
في الحروب التقليدية، كان هناك دائمًا “سقف” يحكم التصعيد، تحدده معادلات الردع، وتضبطه حسابات الكلفة والربح. لكن ما نشهده اليوم وفق التحليل ونشير إلى تحوّل نوعي فلم تعد الحرب تدور حول من يملك القدرة على الحسم، بل حول من يستطيع تحمّل الاستنزاف دون الانهيار. نحن أمام نمط جديد من الصراع يمكن وصفه بـ:
“الاشتباك تحت الحزام النووي”
حيث تُستبدل الضربة النووية المباشرة بسلسلة أدوات تؤدي وظيفتها دون كلفتها السياسية مثل تدمير البنى التحتية الحيوية والتلويح بأسلحة كيماوية أو تلوث صناعي
واستخدام “النووي القذر” كأداة ردع غير معلنة.
*ثانيًا: الفوضى كعقيدة في “العقل الترامبي”*
إن سلوك دونالد ترامب في قلب تفسيره، لكنه لا يقرأه كشخصية مضطربة، بل كـ:
نموذج لإدارة الصراع عبر الفوضى و التصريحات المتناقضة، التهديدات غير المنفذة، والانتقالات الحادة بين التصعيد والتهدئة، إن هذا النمط الترامبي في الإدارة ليس مجرد ارتباك، بل يمكن فهمها كأداة لتشويش الخصم ولكسر القدرة على التوقع ولفرض حالة استنزاف نفسي وسياسي.
بهذا المعنى، تتحول الفوضى في منطق ترامب اللامنطقي إلى
سلاح استراتيجي موازٍ في الحرب التي بات يدرك ويتأكد أنه خسرها.
*ثالثًا: من الحسم إلى الإنهاك – فشل أم إعادة تعريف للأهداف؟*
إن الولايات المتحدة فشلت في تحقيق أهدافها بعد أسابيع من المواجهة، مستندًا إلى استمرار القدرة القتالية لإيران النوعية وتوسّع مسرح العمليات وفعالية الجبهات القتالية وغياب الحسم السريع الذي يمكن استنتاجه من حجم التدخل اليمني في الحرب والذي أعلن دور ربط النزاع لا الحسم، وبناء عليه نعتقد أنه يمكن التأسيس على ما بات استراتيجية واضحة في إدارة الحرب عند الإيراني بأنها الاستنزاف الطويل مقابل الحسم لفهم انخفاض سوية العمليات على جبهة العراق مثلا ولفهم تأخر انخراط جبهة فلسطين في الضفة خاصة في الحرب. فالقراءة الأعمق تفتح احتمالًا آخر أن الهدف لم يكن الحسم أصلًا، بل إدارة حرب إنهاك طويلة في هذا النموذج
لا يُقاس النجاح بالانتصار السريع بل بقدرة الخصم على الصمود تحت الضغط، والمرونة في تفعيل الجبهات وشدة قوتها النارية حسب حاجات كل مرحلة. وهنا يقدم التحليل استراتيجية إيران كفاعل في عقيدة الصبر و الحرب كزمن لا كضربة؛ فاعل يتقن ضبط الإيقاع والرد المحسوب و
إدارة الموارد، وامتصاص الضربات، والرد وفق مبدأ “العين بالعين” مع الاحتفاظ بقدرات نوعية لم تُستخدم بعد.
*رابعًا: وهم الغزو البري – حدود القوة التقليدية*
مع تراجع زخم التهديد الأمريكي عن التدخل البري الذي نراه منطقيا، ونعتبر أنه خيارًا غير واقعي.
وهذا التقدير يستند إلى تعقيد الجغرافيا وكلفة الاحتلال، إضافة تجارب الفشل السابقة.
لكن الأهم هو ما يكشفه هذا الطرح أن القوة العسكرية التقليدية لم تعد قادرة على حسم الحروب الكبرى خاصة بمواجهة عقل عسكري استثنائي عند إيران والحلفاء.
*خامسًا: التدمير كهدف – استراتيجية “الانسحاب المحروق”*
نطرح واحدة من أكثر الفرضيات إثارة وجرأة في تفسير سلوك ترامب، حيث لا يُفهم التصعيد العسكري بوصفه تمهيدًا لنصر تقليدي، بل كجزء من استراتيجية خفية قوامها التدمير ثم الانسحاب.
في هذا التصور، لا تكون الحشود العسكرية الأمريكية مؤشراً على نية الغزو، بقدر ما تمثل غطاءً عملياتيًا مزدوج الوظيفة: أولًا، لتنفيذ ضربة تدميرية كبرى تستهدف البنى التحتية الحيوية—الكهرباء، المياه، النفط، والمرافئ—بما يؤدي إلى شلّ القدرة الوظيفية للدول؛ وثانيًا، لتأمين انسحاب لوجستي منظم وآمن للقوات والكوادر والخبراء الأمريكيين من مسرح العمليات بعد إنجاز مهمة “التعطيل الشامل”.
بهذا المعنى، يتحول الانتشار العسكري من أداة احتلال إلى أداة إغلاق مسرح بعد أن تُفتح الحرب على أقصى درجات التخريب، ثم تُغلق بانسحاب محمي يترك خلفه فراغًا بنيويًا عميقًا. النتيجة المتوخاة ليست السيطرة المباشرة، بل إدخال المنطقة في دورة طويلة من الفوضى واللاستقرار قد تمتد لسنوات أو لعقد كامل، بما يستنزف مواردها ويُعيد ترتيب أولوياتها بعيدًا عن أي قدرة على التأثير الخارجي.
تكمن أهمية هذا التحليل في أنه يعيد تعريف الهدف الاستراتيجي بأنه ليس كسب الأرض، بل إعادة تشكيل البيئة. فالتدمير الممنهج للبنية التحتية لا يضرب الحاضر فقط، بل يقيّد المستقبل عبر تعطيل سلاسل الإنتاج والطاقة، ويخلق أعباء مالية هائلة على الدول المتضررة وشركائها. وفي هذا السياق، يلمّح الطرح إلى بُعد أوسع الضغط غير المباشر على الاقتصاد الصيني ، بما في ذلك إرباك تدفقات الطاقة والتجارة، وهو ما قد ينعكس على اقتصادات كبرى منافسة.
كما يكشف هذا التصور عن منطق “الإغلاق الاستراتيجي” لدى ترامب القائم على الانخراط الكثيف والسريع لتحقيق صدمة تدميرية، يتبعه فك ارتباط محسوب يحرّر الولايات المتحدة من كلفة البقاء كـ“شرطي للمنطقة”، ويتيح إعادة توجيه الموارد نحو أولويات أخرى. هنا، لا يكون الانسحاب علامة تراجع، بل جزءًا من التصميم—انسحاب بعد تحقيق أقصى أثر ممكن بأدنى التزامات طويلة الأمد.
بهذه القراءة، يغدو “الانسحاب عبر الفوضى” ليس مجرد توصيف بل عقيدة تشغيلية تقوم على ضربة قاصمة، فراغ ممتد، وانكفاء محسوب—مع رهان على أن إعادة تشكيل البيئة الإقليمية ستخدم أهدافًا أكبر تتجاوز ميدان المعركة المباشر.
*سادسًا: الحرب الشبكية – من التحالف إلى المنظومة*
نشير إلى التنسيق بين عدة جبهات في محور الخير والدفاع عن الإنسان، بما يعني وجود غرفة عمليات مشتركة وتنسيق ناري عالي الأداء وسيطرة نوعية على مجريات الحرب. وهذا يعكس تحوّلًا مهمًا
من تحالفات منفصلة إلى
إلى شبكات عسكرية مترابطة
حيث تُوزع الأدوار وتُنسّق الضربات ويُدار الصراع على مستوى إقليمي موحّد.
*سابعًا: الجبهة اللبنانية جبهة الحسم – من الدفاع إلى “العبور”*
إن مفهوم “العبور” بوصفه لحظة التحول الحاسمة في مسار الجبهة اللبنانية، التي تبدي أداء أسطوريا في محاور الاشتباك حيث لا يعود الهدف مجرد احتواء الهجوم واستنزافه، بل الانتقال المدروس إلى نقل مركز الثقل القتالي إلى داخل بيئة الخصم. هذا التحول، وفق القراءة العسكرية، لا يتم بقرار سياسي أو اندفاعة تكتيكية، بل عبر تراكم شروط ميدانية صارمة تُبنى تدريجيًا ضمن منطق حرب العصابات المتقدمة. في هذا السياق، يبرز دور قوة الرضوان كوحدة صدمة نخبوية صُممت خصيصًا لعمليات الاختراق المحدود والعميق، حيث يجري توظيفها ليس كقوة انتشار واسع، بل كأداة لتحقيق “الاختلال الموضعي الحاسم” عبر: التسلل الصامت، ضرب النقاط الرخوة في منظومات الدفاع، تعطيل مراكز القيادة والسيطرة، وإرباك خطوط الإمداد الخلفية.
يعتمد هذا النموذج على الالتزام الحيوي المرن بقواعد حرب العصابات في مرحلتها المتقدمة القائمة على:
*الاحتواء والتبطيء:* امتصاص الهجوم وإطالة أمده لرفع كلفته البشرية والمادية على المهاجم.
*الإنهاك التراكمي:* تنفيذ ضربات صغيرة دقيقة ومتكررة تُفقد الخصم توازنه وتستنزف احتياطاته.
*اللامركزية العملياتية:* توزيع الوحدات القتالية على خلايا مرنة قادرة على اتخاذ القرار الميداني دون انتظار قيادة مركزية مباشرة.
*المفاجأة والالتفاف* : الانتقال من خطوط التماس إلى العمق عبر مسارات غير متوقعة، بما يخلق صدمة تكتيكية تتجاوز حسابات الدفاع التقليدي. وهذا ما نقرأه في الاشتباك الذي حصل في مارون الراس.
ضمن هذا الإطار، لا يُفهم “العبور” كعملية اجتياح تقليدية، بل كـسلسلة اختراقات نوعية محدودة تُنفذ بتوقيت محسوب، بعد أن يكون الخصم قد استُنزف وفقد القدرة على المبادرة. وهنا تتقاطع العقيدة القتالية مع البعد المعنوي، إذ يُستخدم العبور أيضًا كأداة كسر نفسي تُعيد تشكيل معادلة الردع من الداخل. حيث نؤكد.على أن العبور والتحرير والصلاة في القدس واقع سنشهده قريبا و أن تحقيق هذا السيناريو ومع استمرار تماسك الجبهة الداخلية، والحفاظ على سرية الانتشار والتحضير، توافر غطاء ناري وصاروخي يقيّد حركة الخصم، وتزامن العمليات مع ضغط إقليمي أوسع يمنع العدو من تركيز قوته في مسرح واحد، يتحول “العبور” من وعد الشهداء إلى أداة حسم عملياتي تنجز وستنجز.
*ثامنًا: تآكل القوة الإسرائيلية… من عبء استنزافي إلى الانهيار*
لم تعد إسرائيل تُفهم بوصفها قوة متفوقة عسكريا وسيبرانيا تُدير حربًا من موقع المبادرة، بل ككيان يغرق تدريجيًا وبشكل متسارع في مرحلة الإنهاك البنيوي، حيث تتآكل عناصر القوة من الداخل قبل أن تُهزم في الميدان. يركّز الطرح على ثلاثية مترابطة: تراجع المعنويات، نقص القوى البشرية، وتآكل منظومة الجيش، باعتبارها مؤشرات على اختلال عميق في بنية الجيش والمجتمع معًا. فالحرب الطويلة، وفق هذا التصور، لم تعد مجرد اختبار لقدرة السلاح، بل لقدرة المجتمع على الاستمرار في تغذية المجهود الحربي؛ وهنا تظهر هشاشة نموذج يعتمد تاريخيًا على التعبئة السريعة والاحتياط الواسع.
ضمن هذا السياق، يُعاد تفسير ما يُنشر كوقائع في تقارير المؤسسة العسكرية نفسها من ضغوط نفسية داخل الوحدات، إلى صعوبات في استدعاء الاحتياط، واستدعاء الذين يعانون في أمراض نفسية للتعويض وصولًا إلى مؤشرات هجرة معاكسة على أنه بداية انتقال من عقيدة الهجوم إلى قلق الدفاع. وهذا التحول، يحمل دلالات استراتيجية عميقة فجيشٌ يفقد زخمه البشري والمعنوي يصبح أكثر حذرًا، أقل قدرة على المغامرة، وأكثر ميلًا إلى الانكفاء والعروب بدل توسيع العمليات.
غير أن الأهمية الأكبر في طرحنا لا تكمن فقط في توصيف هذه المؤشرات، بل في إدراجها
ضمن حرب الإدراك، حيث يصبح التأثير على وعي الخصم وجبهته الداخلية جزءًا من المعركة. فترسيخ صورة “الإنهاك” يخلق نبوءة ذاتية التحقق عن تسارع الانهيار و تراجع الثقة يولّد ترددًا، والتردد يحدّ من الفعل، ما ينعكس بدوره على الأداء الميداني فإسرائيل ستضطر لتجد نفسها في موقع الدفاع وفقدان الردع والانتقال من القلق إلى الرعب الوجودي.
إن قواعد اللعبة تتغير في هذه الحرب حيث لم تعد الجيوش تُقاس فقط بعديدها وتسليحها، بل بقدرتها على الاستمرار تحت الضغط
ولم تعد الجبهات تُحسم بالاختراق، بل بتآكل إرادة الخصم تدريجيًا
ولم يعد الانتصار حدثًا سريعًا، بل مسارًا تراكميًا طويلًا.
إن ما يُعاد تشكيله اليوم ليس خرائط النفوذ فقط، بل منطق الحرب نفسه. فالتدمير لم يعد وسيلة لاحتلال الأرض، بل لإعادة تشكيل البيئة. والانسحاب لم يعد هزيمة، بل قد يكون جزءًا من تصميم استراتيجي أوسع. أما الفوضى، فلم تعد نتيجة جانبية، بل أداة تُدار وتُوظّف.
ومن ينتصر هو من يستطيع أن يصمد، لا من يستطيع أن يضرب
ومن يملك القدرة على إدارة الزمن وامتصاص الصدمات
وإعادة إنتاج القوة والتحكم بإيقاع الصراع هو من يكتب النتيجة النهائية.
إنها لحظة انتقال من حروب السيطرة إلى حروب الإرادة،
ومن تفوق السلاح إلى تفوق النفس الطويل.
وفي هذا التحول، لا يُحسم المستقبل في ضربة واحدة،
بل يُصاغ على امتداد الزمن.
🖊 ميخائيل عوض