
في لحظة فارقة وعلى المحك من تاريخ التعليم العالمي المشتبك ، حيث تتراجع الاستثمارات وتتسع هوة الإهمال، يأتي أسبوع العمل العالمي من أجل التعليم 2026 ليذكرنا بحقيقة جوهرية تجاوزت زمنًا طويلاً غيابها عن الفضاء التربوي: التعليم ليس نفقة تُقنن، بل شعلة وجودية تُقدس.
بصفتي عضواً ناشطاً في الائتلاف التربوي الفلسطيني والحملة العربية للتعليم، أرى في شعار “ارفعوا الشعلة عالياً” دعوة فلسفية عميقة لإعادة الاعتبار للتعليم كأصل وجودي قبل أن يكون حقاً قانونياً أو هدفاً تنموياً. فالشعلة في الميتافيزيقا التربوية ليست مجرد استعارة بلاغية، إنها تجسيد للعلاقة الجوهرية بين الضوء والمعرفة، بين النار التي تدفئ الوجود والعلم الذي ينير العقول.
الأزمة البيداغوجية الكبرى: حين يصبح التمويل مسألة وجود
ما يمر به التعليم العالمي اليوم ليس مجرد أزمة تمويل بالمعنى المحاسبي الضيق، بل هو أزمة بيداغوجية وجودية بامتياز. فحين نقرأ في المذكرة المفاهيمية أن 272 مليون طفل وشاب خارج المدارس، وأن النقص في المعلمين يبلغ 50 مليوناً بحلول 2030، فإننا أمام معادلة بيداغوجية صادمة ومعقدة: كيف يمكننا بناء نظرية تعلم في غياب فضاءات التعلم؟ وكيف يمكننا تطوير بيداغوجيا الحضور ونحن نعاني من غياب المعلم؟
الأرقام التي توردها المذكرة – كارتفاع الدين الحكومي في البلدان منخفضة الدخل إلى 72% من الناتج المحلي الإجمالي، وتفوق خدمة الدين على ميزانيات التعليم – ليست مجرد مؤشرات اقتصادية، بل هي مقاييس للفجوة الأنطولوجية التي أحدثتها النيوليبرالية البشعة بين ما نؤمن به نظرياً وما نمارسه عملياً. فكيف يمكن لتعليم أن يكون “شاملاً وعادلاً” في عالم ينفق 2.443 تريليون دولار على التسليح بينما يعجز عن توفير 97 مليار دولار لسد الفجوة التمويلية للتعليم؟
إعادة تخيل التمويل: من الاقتصاد المحاسبي إلى اقتصاد المعنى
هنا تبرز الحاجة إلى قطيعة فلسفية مع النمط السائد في فهم تمويل التعليم. فالمقاربة التقليدية التي تنظر إلى التمويل كمدخلات قابلة للقياس الكمي تخون الجوهر النوعي للعملية التربوية. إن ما نطالب به في أسبوع العمل العالمي ليس مجرد “زيادة في الميزانية”، بل هو تحول في فلسفة القيمة ذاتها: قيمة المعلم التي لا يمكن اختزالها في راتب غير مكتمل، وقيمة الفتاة المتعلمة التي تتجاوز أي مؤشر للعائد على الاستثمار، وقيمة المعرفة النبيلة التي تصمد أمام كل محاولات تسليع التعليم.
الدعوة إلى تخصيص 4-6% من الناتج المحلي الإجمالي للتعليم هي، في عمقها الفلسفي، اعتراف بأن التعليم يشكل 4-6% من جوهر الوجود الإنساني، بل ربما أكثر. إنها محاولة لترجمة الأولويات الوجودية إلى لغة الميزانيات، دون أن ننسى أن الميزانيات تعكس في النهاية فلسفة المجتمع وأولوياته.
معا نحو بيداغوجيا المقاومة والإبداع
في السياق الفلسطيني والعربي تحديداً، حيث تتداخل أزمات التمويل مع تحديات الاحتلال والنزوح والهشاشة، تكتسب دعوات GAWE 2026 بعداً مختلفاً. إنها ليست مجرد مطالبة بتمويل إضافي، بل هي إعادة تعريف للتعليم كفضاء للمقاومة الوجودية والإبداع الجماعي.
لقد علمتنا التجربة الفلسطينية أن التعليم يمكن أن يكون شعلة لا تنطفئ حتى في ظل أكثر الظروف قسوة. إن البيداغوجيا التي تنبثق من سياقات الأزمات هي بيداغوجيا فريدة، تعيد تعريف مفهوم “الموارد” لتشمل الإرادة المجتمعية، والذاكرة الجمعية، والقدرة على التحول النوعي رغم القيود الكمية.
بناء تحالف وجودي من أجل التعليم
إن الدعوة إلى إصلاح البنية المالية الدولية، والعدالة الضريبية، وحل أزمة الديون، ليست مجرد مطالب اقتصادية، بل هي أساس لفلسفة تربوية جديدة تقوم على العدالة الكونية. فالطفل في مخيم للاجئين، والفتاة في قرية نائية، والمعلم في مدرسة تعاني من نقص الإمكانات والإمكانيات، كلهم ينتظرون تحولاً في الهيكل العالمي للقيمة، تحولاً يجعل من التعليم أولوية وجودية كما هو بالاصل ، وليس هامشاً في ميزانيات التقشف.
الشعلة التي لا تنطفئ
عندما نرفع الشعلة عالياً في أسبوع العمل العالمي 2026، فإننا نؤكد أن التعليم ليس مجرد قطاع من قطاعات الدولة، بل هو الحيز الأنطولوجي الذي تتشكل فيه الإنسانية ذاتها. إن الدفاع عن تمويل التعليم هو دفاع عن إمكانية أن يكون هناك مستقبل مختلف، دفاع عن قدرة الأجيال القادمة على تخيل عالم يتجاوز أزمات الحاضر.
في زمن تتراجع فيه المساعدات التعليمية وتتصاعد فيه الإنفاقات العسكرية لقتل المعلم والمتعلم ، وفي زمن تتفاقم فيه أزمات الديون وتتسع فيه الفجوات، تظل شعلة التعليم هي النقطة المضيئة الوحيدة في أفق مظلم صنعته الشركة . رفعها عالياً ليس مجرد شعار، بل هو واجب وجودي، وفعل مقاومة، وإعلان أن الحياة تستحق أن تُعاش، وأن المعرفة تستحق أن تُنقل، وأن الإنسان، رغم كل شيء، يظل هو القيمة الأسمى التي من أجلها يُستثمر ويُبذل.
فلنرفع الشعلة عالياً، ليس لأن التعليم بحاجة إلى تمويل، بل لأن الإنسانية بحاجة إلى أمل من كل هذا السوء .