رؤي ومقالات

أشرف الصباغ يكتب :الأوروبيون أذكى بكثير من إدارة ترامب

أوروبا ارتكبت خطأ تاريخيا بالاعتماد على الولايات المتحدة في حمايتها، وعلى مصادر الطاقة الروسية لتسيير عجلة حياتها واقتصادها. إضافة إلى إصابة الاتحاد الأوروبي نفسه بالبيروقراطية والترهل.
ولكن من جهة أخرى، الأوروبيون أذكى بكثير من إدارة ترامب. وذلك بحكم فهمهم التاريخي للمناطق الموجودة خارج القارة الأوروبية، ومن ضمنها الولايات المتحدة نفسها، رغم قوة الأخيرة وبأسها وامتلاكها قمة التكنولوجيا والسلاح والاقتصاد.
الفاتورة الأضخم ستُدفَع من قبل دول الخليج (الدول العربية+ إيران)، ومن قبل الاتحاد الأوروبي. والمستفيد من المشهد بشكل عام، وبصرف النظر عن الخسائر الفادحة التي سيتكبدها الاتحاد الأوروبي ودول منطقة الخليج، هو الدول الثلاث الأكثر وحشية وإمبريالية: الولايات المتحدة وروسيا والصين.
قد يكون تجريد إيران من برامجها النووية والصاروخية، أحد أهداف الإدارة الأمريكية. وهذا بالمناسبة، وإذا نظرنا بعمق، سنجد أنه يعمل لصالح روسيا والصين، على المديين المتوسط والبعيد، لأسباب كثيرة. لكن هذا الهدف ليس الهدف الرئيسي.
وقد يكون أحد أهداف إدارة ترامب، قطع أذرع إيران في منطقة الشرق الأوسط، ولكنه ليس الهدف الرئيسي. هذا الهدف يعمل لصالح دول المنطقة، بما فيها إسرائيل. إضافة إلى كل الدول التي تستفيد من موارد الطاقة الموجودة بالمنطقة.
إذا كانت إدارة ترامب تتصرف بغشم وفاشية ورعونة، إلا أن الولايات المتحدة نفسها كمؤسسة، لا تسعى إلى الإخلال بتوازن القوى بين إسرائيل ودول المنطقة، لأنه يعمل ليس فقط ضد مصالحها، بل وأيضا لصالح كل من روسيا والصين اللتين تتعاملان بانتهازية تاريخية وفي سياق تحقيق مصالحهما بمفاهيم السياسة الكبرى. ولكن الحكومة الإسرائيلية نفسها هي التي تسعى لهذا الإخلال بموازين القوى. وهذا وهم كبير لن يتحقق مهما حدث، وبصرف النظر عن تدمير غيران بشكل كامل من عدمه.
هناك هدف آخر بدأت ملامحه تتبلور، من خلال تصرفات الولايات المتحدة، ومن خلال تصريحات ترامب بشأن مضيق هرمز. ففتح أو إغلاق المضيق نفسه لا يهم واشنطن، بقدر ما يهمها نفوذها وسلطتها من جهة، واستخدام هذه الورقة لصياغة شكل من أشكال الاصطفاف من جهة أخرى لاستخدامه حصرا من أجل تحقيق مصالح أمريكية حصرية. وهذا يعيدنا إلى النقطة المتعلقة بذكاء الأوروبيين وفهمهم للمنطقة وللأمريكيين. فالأوروبيون يرفضون حتى الآن الانخراط في مغامرة عسكرية بمضيق هرمز، لا لأنهم لا يريدون ذلك فقط، أو لأنهم ضد الولايات المتحدة فقط، ولكن أيضا لأن كفة مصالحهم في هذه المعادلة ليست هي الأثقل، رغم تضررهم نسبيا من مشاكل ترانزيت الطاقة.
وهنا يظهر هدف ترامب الأساسي الذي يتعلق بشكل مباشر تماما بالقضاء على إيران بشكلها الحالي كدولة تمثل نمطًا ونموذجًا. والقضاء على إيران هنا لا يعني إزالتها من الجغرافيا أو التاريخ، وإنما تحويلها إلى نموذج آخر يمثل فائدة كبرى، وربما حصرية للولايات المتحدة. وهذا أمر خيالي ووهمي، وأضغاث أحلام، لا لأن إيران قادرة على الصمود والتحدي، ولكن لأن هناك عوامل وعناصر ومتغيرات أخرى في هذه المعادلة لا تتعلق فقط بقوة الولايات المتحدة، ولا تتعلق أيضا بضعف إيران أو قوتها. إنها عوامل وعناصر تتعلق بمعادلات أخرى، وموازين قوى أخرى.
إن كلام ترامب يبدو منطقيا من زوايا عديدة، على رأسها أنه بانتهاء الحرب، و”انتصار أمريكا!!!” سيفتح مضيق هرمز تلقائيا. أو أن الدول المتضررة من إغلاقه ستجد صيغة ما لفتحه. وقد تنشأ تحالفات تكتيكية وهامشية بين أطراف متعادية أيديولوجيا للعمل معًا بشأن فتح وتأمين مضيق هرمز. وهذا الأمر بالمناسبة يمكن أن يحدث حتى خلال الحرب.
الآلة الترامبية تعمل على عدة اتجاهات: العسكري والاقتصادي، والسياسي، والاستخباراتي، والأمني- العملياتي. والهدف هو “القضاء” على إيران بشكلها الحالي كنموذج ونمط. ويبدو أن الأزمة دخلت إلى مرحلة جديدة، وهو ما أسميناه بـ “معركة الإرادات” أو “حرب الإرادات”، حيث طرف مستعد للانتحار، وطرف آخر مستعد لتكبد خسائر، بما في ذلك الاستتغاء أو التخلي عن حلفائه.
حاليا، تجري عملية صياغة واقع موازي بين ما يجري على مسار الأزمة الأوكرانية، وما يجري على مسار الأزمة الإيرانية. أو بكلمات أخرى، يجري صنع واقع موازي بين الأزمتين الأوكرانية (التي دخلت عامها الخامس) وبين الأزمة الإيرانية (التي دخلت شهرها الثاني). وبالمناسبة، روسيا تفهم ذلك جيدا، بل وتعمل عليه بطريقتها بدرجة أو بأخرى. وإدارة ترامب مستريحة لهذه الفكرة. وبالمناسبة، التيارات القومية المتطرفة في روسيا تتحدث حاليا عن الموعد الذي ستستخدم فيه كل من الولايات المتحدة وروسيا الأسلحة النووية التكتيكية في كل من أوكرانيا وإيران.
وبصرف النظر عن عدمية وشر وانحطاط مثل هذا الكلام، وبصرف النظر عن صلاحيته أو إمكانية تحقيقه، إلا أنه احتمال مطروح من قوى تشارك في السلطة وتمتلك نفوذها في إدارة البلاد، سواء في روسيا أو في الولايات المتحدة. وبالطبع، فمثل هذه الاحتمالات الخرقاء والعدمية والوحشية، تعمل على مسار آخر: الدفع إلى سياسة الحافة وتشكيل أمر واقع “يجبر” الأطراف على الجلوس حول طاولة المفاوضات. والمقصود هنا بالأطراف، الأطراف القوية صاحبة النفوذ والتأثير لكي تقرر مصير الدول المهزومة أو الدول المنكوبة، وتضع ملامح خارطة طريق لنظام دولي جديدة بقيادة نفس هذه الدول المتوحشةن وعلى رأسها الولايات المتحدة وروسيا والصين.
يبدو أن الولايات المتحدة الترامبية، الأقرب إلى العبث والعدمية، قررت انتهاج نفس اسلوب الدول الهمجية ذات الأنظمة الديكتاتورية. وأعتقد أن هذا يوضح أسباب التحالفات والتفاهمات بين زعماء هذه الدول. وفي الحقيقة، فالولايات المتحدة بدأت هذا الطريق منذ سنوات طويلة، لكنه لم يكن بكل تلك الوقاحة والفجاجة والبلطجة وحرية التصرف والمغامرة شبه المطلقة هذه.
غير أن عبث وهمجية الولايات المتحدة الترامبية يسيران في اتجاه نوعي يعمل على تحقيق مصالح كبرى للدولة الأمريكية نفسها. وهذا ما بدأنا الموضوع بالحديث عنه. أي أن الولايات المتحدة، وبدون أي مواجهات مع روسيا أو الصين، تحقق مكاسب مذهلة. وأعتقد أنه خلال السنوات الخمس الأخيرة، ومنذ نشوب الحرب الأوكرانية، تمكنت واشنطن من تسييد نهجها بدرجات مختلفة في عدة دول ومناطق، والتحقت بالناتو دولتان جديدتان، بينما تستعد النمسا أيضا لذلك. وانتهى نظام بشار الأسد، وتجري محاولات التحكم في ممرات نقل الطاقة المهمة.. هل سيتحقق ذلك الآن، أم بعد شهر أم عشرين شهر.. لا أحد يعرف. لكن محاولات الولايات المتحدة جارية. وهي محاولات تسعى لتحقيق أهداف أكبر من منطقة الشرق الأوسط نفسها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى