تقارير وتحقيقات

سكون معاصر يخفي حراكا قديما !

كتب:د.عاطف معتمد
تغرى الواحات الداخلة فى صحراء مصر الغربية بتصنيفها ضمن البيئات الراكدة التى لا تعرف الحراك، لكن الحقيقة أن بها الكثير من أدلة التغير المثير، على مقياس الزمن الأطول عمرا.
1️⃣ لقد بدأت مفاهيم الدينامية تتضح مع نهاية ثمانينيات القرن العشرين، حين عثر علماء عاملون فى الواحات الداخلة على كشف مثير أعطوه عنوان «زجاج الداخلة» وأرخوا له بنحو 140 ألف سنة مضت وذلك خلال الفترة التى عاش فيها الإنسان هنا فى «العصر الحجرى القديم الأوسط»، خاصة فى بلدتى تنيدة وبلاط.
تبدو الصخور الزجاجية التى عثر عليها العلماء غير ذات صلة بأى من أنواع الصخور الجيرية والرملية المنتشرة فى أرض الواحة. وكان التفسير الأولى لهذه الصخور أن أصلها إما من مقذوفات براكين أو من نيازك ومذنبات.
لقد اتضح من الدراسة التى قدمها العلماء أن التحليل الجيوكيميائى للصخور الزجاجية قد ساهم فى استبعاد الأصل البركانى، وتذهب النظرية الأشهر فى التفسير إلى أن كتلة من جسم فضائى شبيه بالنيزك اخترق المجال الجوى للأرض وسقط فى الواحات الداخلة.
ومعلوم أنه فى حالة سقوط أجسام صخرية من الفضاء غالبا ما تترك لها أثرا فى الأرض فى شكل فوهة دائرية ناجمة عن الارتطام، لكننا فى الواحات الداخلة لا نجد أثرا لهذه الفوهة وما زال البحث العلمى جاريا ربما تكون مطمورة أسفل رواسب أحدث بعد زمن السقوط الذى يعود إلى 140 ألف سنة.
بعض العلماء الذين يستبعدون وجود فوهة النيزك الذى ارتطم بأرض الواحات الداخلة يقدمون تفسيرا بديلا قائما على احتمال أن تكون الصخور الزجاجية المكتشفة فى الواحات الداخلة ناجمة عن مقذوفات نارية من الفضاء وصلت للأرض ضمن ما يعرف باسم «الرشقات النارية الجوية airbursts وهى سقوط أجسام مثل النيازك من الفضاء ترتطم بالغلاف الجوى وتسقط على الأرض فى شكل شظايا دون تشكيل فوهة منطبعة على الأرض، وربما تركت أثرا فى شكل فوهة ضحلة لم تقاوم طويلا أمام عوامل التعرية التى طمست ملامحها.
يعود تأريخ هذه الفترة إلى ما قبل 140 إلى 150 ألف سنة أى خلال فترة العصر الحجرى القديم الأوسط ذلك لأن الأدوات الحجرية التى وجدت فى الواحة والتى تعود لهذا العمر تم العثور عليها أسفل طبقة الصخور الزجاجية وأعلاها وهو ما يؤكد أن البشر الذين عاشوا فى تلك الأثناء شاهدوا عملية السقوط المدوى الحارق لهذه الكتلة التى أدت إلى صهر معادن السيلكا فى صخور المنطقة مكونة زجاجا صخريا ضمن عملية تعرف باسم عملية «التزجج» (أى التحول إلى زجاج).
2️⃣لا تتوقف الأهمية الدينامية للواحات عند المثال السابق من تاريخها الفلكى والجيولوجى بل يتجاوز ذلك إلى جغرافيتها القديمة. فقد توصلت الاستكشافات التي قام بها د. جبيلي أبو الخير للحفريات الفقارية فى جامعة الوادى الجديد إلى العثور على هياكل عظمية متحفرة لعظام حيوان بحرى ضخم يسمى «بليسوسورس Plesiosaurus» وذلك فى الجزء الغربى من الواحات الداخلة فى منطقة غرب الميهوب يعود عمره إلى الكريتاسى الأعلى (من 70 إلى 90 مليون سنة) وقد تعرضت لانقراض خلال الفترة الانتقالية من الكريتاسى إلى الإيوسين.
والبليسوسورس زاحف بحرى كان يعيش فى بيئة ساحلية حين كان البحر المتوسط يصل إلى عمق ما يسمى اليوم صحراء مصر الغربية فى إقليم الواحات الداخلة. وقد وجدت بقايا هذه الكائنات الضخمة المنقرضة فى تكوينات رسوبية من الطفلة.
وإذا كانت منطقة غرب الميهوب قد سجل فيها هيكل بليسوسورس فإن المنطقة بين موط وبلاط فى شرق الداخلة قد سجل فيها حالة فريدة من الديناصور الذى عرف باسم «منصوراسورس» وهو ينتمى أيضا لفترة نهاية الكريتاسى، على نحو ما توصلت دراسة د.هشام سلام وزملاؤه.
والحقيقة أن الأنواع الأحيائية من البيئة القديمة تنتشر فى صخور المنطقة ومن بينها التخوم الشرقية لمنخفض الخارجة عند جبل الطير؛ حيث توجد أدلة غزيرة من كائنات حية أصغر حجما لكنها عاشت أيضا فى بحر الكريتاسى قبل 70 إلى 62 مليون سنة وخاصة قواقع Exogyra Overwigi والتى تصنف ضمن العصر الماستريخى.
3️⃣ولقد حدثت نقلة معرفية فى فهمنا للتطور البيئى فى الصحراء الغربية بمفهومها الضيق والصحراء «الليبية» بمفهومها الأوسع مع ظهور دراسات وأبحاث فى العقدين الماضيين تشير إلى ما يسمى «الأنهار الرادارية» وهى أنهار مدفونة أسفل الرمال التى تغطى الصحراء وكانت نشطة فى عصور مطيرة بدأت فى نهاية الباليوجين وبداية النيوجين (منذ 40 – 50 مليون سنة مضت) وكشفت عنها الأقمار الصناعية المعتمدة على الرادار ( ومن هنا اسمها الأنهار الرادارية).
وتذهب دراسات البهي عسيوي وزملائه إلى أنه منذ ما يزيد عن 50 مليون سنة مضت شهد شرق الصحراء الكبرى فترات رطوبة جاءت بعد حركة الامتداد الشاسع الذى غمر فيها البحر المتوسط هذه الصحراء وكان هذا الغمر الإيوسينى هو المسئول عن مظهر سطح الأرض عديم التضرس الذى نراه فى شرق الصحراء الكبرى حاليا.
وتذهب مثل هذه الدراسات إلى أن البحر المتوسط تعرض لفترة جفاف شديد يتفق على أن اسمها «الفترة الميسينية» انخفض فيها منسوب سطح البحر المتوسط وانكمشت رقعته مما دفع بعديد من الأنهار التى كانت تجرى فيما يعرف بالصحراء الكبرى الآن إلى التوغل شمالا لتصب فى مستوى القاعدة المتراجع فى البحر المتوسط. وحدثت حركة نظيرة له فى جنوب أوروبا.
ومن بين هذه الأنهار نهران عظيمان: الجلف والكفرة. وقد قامت هذه الأنهار الكبرى (المدفونة حاليا ) بعمليات أسر نهرى للأنهار الأصغر وتجمعت معا قبل أن تصب فى البحر المتوسط الذى كان قد انخفض منسوبه.
أي أن صور الحراك والتطور والتغير تتعدد وتتجلى فى موضوعات عدة فى الواحات الداخلة عند مستويات جغرافية وجيوأركيولوجية وجيولوجية وهيدرولوجية، وتشترك فى ذلك مع بقية منخفضات الصحراء الغربية..رغم الهدوء والسكون الظاهر في العصر الحديث.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى