
إعدام الأسرى… إعدام الكيان ؟!!
ميخائيل عوض / لبنان
في قراءة استراتيجية مكثّفة للحظة إقليمية ودولية نعتبرها مفصلية، تتمحور حول سلوك دونالد ترامب، ومسار الحرب الجارية، وحتميات التحوّل في بنية النظام الدولي. في رؤية لبناء نموذج تفسيري شامل لما نسميه “لحظة الانكشاف الأمريكي” و”بداية التحول التاريخي”.
*أولًا: الاحتمالات الثلاثة – هندسة السلوك الترامبي*
قبيل ساعات من خطاب الأمة الذي سيتوجه به ترامب
ثلاثة سيناريوهات لسلوك ترامب:
1 *- خطاب بلا مضمون:* الاستمرار في نمط الكلام الكثيف الخالي من النتائج.
2 *- إعلان نصر وهمي:* إعلان تحقيق الأهداف وتحميل الآخرين مسؤولية الفشل.
3 *- الانسحاب الاستراتيجي:* الانكفاء من المنطقة وربما إعادة النظر في الالتزامات الدولية (مثل حلف الناتو).
إن الخطاب يعكس نمط ما يمكن تسميته بـ: “استراتيجية حفظ ماء الوجه تحت ضغط الفشل الميداني”.
*ثانيًا: الميدان لا الخطاب كمرجعية للحسم – سقوط القدرة على الإنجاز*
يرتكز التحليل على فكرة مركزية على التأكيد عليها وهي أن الميدان هو الحكم النهائي.
ووفق المعطيات التي يسوقها الميدان فإن فشل بنيامين نتنياهو وترامب في تحقيق أهداف نوعية. وتصاعد التنسيق بين جبهات متعددة (لبنان، اليمن، إيران) وما ظهر من تطور نوعي في القدرات الصاروخية.
إضافة إلى عجز المعتدي عن تحقيق اختراق استراتيجي أو “ضربة كاسرة” كل هذه الوقائع تشير بوضوح إلى تحوّل العجز من حالة تكتيكية إلى عجز استراتيجي شامل ما يجعل خطاب ترامب كما سابقه منذ بدء الحرب مجرد هراء وتخبط.
*ثالثًا: من الخداع إلى الصفعة – تفكك الوهم الأمريكي*
إن سلوك ترامب قائم على ثلاث مراحل:
1 *- الخداع:* وعود بالقوة والحسم (الأساطيل، الضربات، الحسم السريع).
2- *التورط:* الانخراط في صراع معقّد دون أدوات حسم.
3- *الانكشاف:* اكتشاف حدود القوة الأمريكية وعجزها.
هذه الديناميكية تؤدي إلى
تآكل المصداقية الأمريكية و
تراجع الهيبة الدولية وكذلك تصاعد الانتقادات الداخلية داخل الولايات المتحدة.
*رابعًا: الانهيار الاستراتيجي – استحالة الحسم العسكري*
إننا نرفض فرضية الاجتياح البري أو السيطرة على منشآت استراتيجية (مثل النووي الإيراني)، ونعتبرها
“أوهامًا دعائية أكثر منها خيارات واقعية”. وذلك لأسباب تتعلق بحجم الكلفة البشرية والعسكرية المرتفعة إضافة إلى بيئة مقاومة متعددة الجبهات وقادرة على المواجهة والصمود والحسم مع قدرات غير مُستخدمة بالكامل حتى الآن.
ونحذّر من أن أي تصعيد نحو تدمير البنى التحتية سيؤدي إلى
انفجار إقليمي واسع
وتحميل واشنطن المسؤولية
وتسريع العزلة الدولية والانفجار الداخلي.
*سادسًا: قانون إعدام الأسرى – ذروة التوحش و انهيار الكيان*
في هذه القراءة لا يُختزل “قانون إعدام الأسرى” في كونه إجراءً إجراميًا أو تعديلًا تشريعيًا داخل بنية دولة، بل يُفهم كـ لحظة كاشفة تبلغ فيها البنية الصهيونية أقصى درجات تعبيرها عن ذاتها بوصفها
منظومة تأسست على العنف، وتعود—في لحظة الانهيار—إلى جوهرها الأول.
1. *من السلوك إلى التشريع: تقنين التوحش*
إن الأخطر في هذا القانون ليس مضمونه فقط، بل نقله العنف من مستوى الممارسة إلى مستوى الشرعنة.
فالكيان—كما نطرح—لم يبدأ بالتوحش الآن بل كان هذا سلوكه دائما من مجازر التأسيس إلى سياسات التهجير
والقتل الممنهج والحصار والتجويع وتاريخ الانتهاكات بحق الأسرى، كلها كانت قائمة، لكن ضمن هامش “الإنكار” أو “التبرير الأمني”.أما اليوم، فإن إقرار قانون لإعدام الأسرى يعني الانتقال من “ممارسة الجريمة” إلى “إعلانها كإجراء قانوني”. وهنا، تصبح الدولة نفسها—بمؤسساتها—شريكًا مباشرًا في إنتاج الموت، لا مجرد غطاء له.
2. *لحظة الانفلات: حين تسقط كل الضوابط*
في هذا السياق، نربط بين هذا القانون وبين توصيف بنيامين نتنياهو للحرب بأنها “وجودية”.فعندما تُعرَّف الحرب كصراع وجود، فإن كل القوانين تصبح قابلة للتعليق، وكل المحظورات تصبح مباحة، وكل الحدود الأخلاقية تنهار وبالتالي، فإن قانون إعدام الأسرى ليس انحرافًا، بل نتيجة منطقية لمسار تصاعدي من نزع القيود.
بل نذهب بالتحليل أبعد من ذلك، لنعتبر أن الكيان لا “ينحرف” نحو التوحش، بل “يتحرر” من القيود التي كانت تكبح طبيعته الأصلية.
3. *الفضيحة القانونية: اصطدام مباشر مع النظام الدولي*
إن هذا القانون يشكّل خرقًا فاضحًا لمنظومة القانون الدولي، وخاصة اتفاقيات جنيف
ومبادئ حقوق الإنسان الأساسية وقواعد التعامل مع الأسرى في النزاعات المسلحة.
إعدام الأسرى يُعد: جريمة حرب صريحة لا لبس فيها لكن المفارقة التي يبرزها التحليل هي أن إسرائيل تدرك ذلك
والولايات المتحدة تدرك ذلك
ومع ذلك يتم الإقدام عليه
ما يعني أن المسألة لم تعد قانونية، بل سياسية-قَسرية، تقوم على فرض الأمر الواقع.
4. *وهم الردع القانوني: حدود الفعل الحقوقي*
رغم الدعوة إلى تعبئة قانونية وإعلامية واسعة، نضع حدودًا واضحة لتأثيرها فالمؤسسات الدولية أثبتت عجزها والقرارات الأممية لا تُنفَّذ
والقوى الكبرى نفسها تتجاوز القانون وبالتالي، فإن الرهان على القانون الدولي كأداة ردع هو رهان محدود الفاعلية.
لكننا لا ندعو إلى إهماله، بل إلى توظيفه كأداة لفضح الممارسات
ولتعبئة الرأي العام ولعزل إسرائيل أخلاقيًاأي كجزء من معركة الوعي، لا معركة الحسم.
5. *الارتداد الاستراتيجي: من أداة ردع إلى عامل تفجير*
بدل أن يشكّل القانون أداة ردع، نرى أنه سيتحول إلى
عامل تفجير شامل للصراع.
عبر رفع سقف المواجهة إلى أقصاه ودفع المقاومة إلى تبنّي استراتيجيات أكثر تصعيدًا
وبالتالي تعميق الطابع الوجودي للحرب فحين يُغلق باب الأسر—كأداة تفاوض أو تبادل—تُغلق معه مساحات “الضبط”، ويصبح الصراع مفتوحًا على كسر الإراداتأو الفناء المتبادل.
6. *من حماية الأسرى إلى معادلة الردع الميداني*
حيث نصل إلى خلاصة حاسمة أن حماية الأسرى لن تتحقق عبر القانون، بل عبر ميزان القوة.
ونحدد لذلك مسارات عملية من خلال: تصعيد ميداني مدروس يرفع كلفة القرار، وحدة الجبهات لخلق ضغط متعدد التأثير،
تطوير أدوات المقاومة بما يفرض معادلات ردع جديدة.
بمعنى آخر، يصبح الأسير
جزءًا من معادلة الردع، لا مجرد ضحية تحتاج حماية.
7. *الدلالة الأعمق: بداية النهاية*
في القراءة العميقة، لا يُنظر إلى هذا القانون كدليل قوة، بل كعلامة ضعف بنيوي ومؤشر انهيار حتمي فعندما تفشل القوة العسكرية في الحسم
وعندما تتآكل القدرة على الردع
تلجأ الأنظمة إلى التطرف القانوني لتعويض العجز
وهنا، يصبح القانون نفسه
مؤشرًا على بداية التفكك، لا على تثبيت السيطرة.
قانون إعدام الأسرى—في طرحنا —ليس تفصيلًا قانونيًا، بل
إعلان عن طبيعة الصراع الحقيقية وكشف عن حدود القوة الإسرائيلية وحدود توحشها وتحول في قواعد الاشتباك وهو في جوهره
انتقال من حرب يمكن احتواؤها، إلى صراع مفتوح بلا سقوف.
ومن هنا، فإن التعامل معه—وفق هذا التصور—لا يكون فقط عبر الإدانة، بل عبر بناء معادلات ردع وتصعيد محسوب
وإعادة تعريف أدوات المواجهة.
في المحصلة النهائية ، لا يمكن التعامل مع “قانون إعدام الأسرى” كحدث معزول أو حتى كتصعيد عابر، بل كعلامة فارقة في مسار صراع دخل طوره الأكثر توحشا: وتجريدًا. إنها لحظة يتحول فيها القانون من أداة لضبط العنف إلى أداة لإطلاقه، ومن غطاء للشرعية إلى إعلان صريح بانهيارها.
ما تكشفه هذه اللحظة يتجاوز الداخل الإسرائيلي ليطال بنية النظام الدولي نفسه. فعندما يُخرق القانون الدولي—بوضوح—دون قدرة على الردع أو المحاسبة، فإن ذلك يعني أن العالم لم يعد محكومًا بمنظومة قواعد، بل بـ موازين قوة عارية. وهنا تحديدًا، تتقاطع إرادة القوة مع عجز المؤسسات، ليُفتح الباب أمام مرحلة جديدة.
في هذا السياق، يظهر نتنياهو كمن يقود الكيان نحو أقصى درجات التطرف الوجودي، والنهاية الحتمية بينما يبدو ترامب في القراءة ذاتها أقرب إلى جنون فقدان السيطرة وذروة التراجع الاستراتيجي المغطّى بخطاب انتصار مكشوف . وبين هذين المسارين، يتشكل فراغ في مركز القوة الغربية، يترافق مع صعود قوى دولية جديدة، وفي مقدمتها الصين، التي تراقب وتبني بهدوء نظامًا بديلاً أقل صخبًا وأكثر رسوخًا.
لكن أخطر ما في هذه اللحظة ليس فقط تحولات الكبار، بل إعادة تعريف طبيعة الصراع نفسه. فمع إغلاق أبواب القانون والتسويات، وارتفاع منسوب الوحشية، تنتقل الحرب من كونها أداة لتحقيق أهداف سياسية إلى حالة وجودية شاملة، تُدار بمنطق الكسر الكامل لا الاحتواء التدريجي.
وعليه، فإن المعادلة التي يخلص إليها عوض يمكن اختصارها بثلاثة تحولات كبرى:
1 *- من الردع إلى الانفجار:* حيث لم تعد الأدوات التقليدية كافية لضبط الصراع.
2- *من القانون إلى القوة:* حيث يتراجع القانون لصالح الوقائع المفروضة ميدانيًا
3- *من الصراع المحدود إلى الحرب المفتوحة:* حيث تتلاشى الحدود بين الجبهات والساحات
إنها لحظة اختبار قاسية، ليس فقط للفاعلين في الميدان، بل لكل البنى السياسية والقانونية والأخلاقية التي حكمت العالم لعقود. وإذا كان التاريخ يُكتب في لحظات الانكسار الكبرى، فإن هذه اللحظة —قد تكون واحدة من تلك اللحظات التي لا تعيد رسم الخرائط فقط، بل تعيد تعريف معنى القوة، والشرعية، وحتى الإنسانية نفسها.
حيث لا تنتهي الحرب بإعلان نصر بل ببداية زمن جديد.
🖊 ميخائيل عوض