رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :المسافة صفر المخيفة

كان الروائي هنري ميللر قد كتب رسالة الى الكاتبة أناييس نن يقول:” كنت ناقصاً، فإكتملت بك”وكان ذلك سنوات تشرده في باريس لكن ماذا كان ينقص ميللر وما الذي اضافته أناييس؟
كانت مغامرة وقفزة في الهاوية هذه العبارة ان تسلم مفاتيحك وهويتك وضعفك البشري في يد انسان اخر رغم انه عرف لمن يفعل ذلك.
مؤكد انه شعر بالأمان المطلق لكن هذا الأمان هش كتسليم خرائط سرية وقابل للانكسار لأن أي عطب في العلاقة يعني الفناء لأنه ربط كامل كيانه بها لو قررت الاستدارة يوما .
معروف عن ميللر جنونه الواعي وحكمته المغامرة وكان يظن ان ليس عنده ما يخسره في باريس هو الأمريكي التائه قبل أن يكون رمزاً لجيل أدبي أمريكي هو جيل البيت Beat Generation الذي أنتج أفضل ما في أمريكا والعالم من أدباء وشعراء وروائيين أمثال ألن غينسبرغ، ووليام بوروز، وجاك كيروك وغيرهم . الجيل التمردي على الحياة والمؤسسات الأمريكية.
ما الذي كان ينقص هنري ميللر مؤلف” ربيع أسود” و” ومدار السرطان”و ” عملاق ماروسي” وغيرها؟ كان ينقصه أن يرى الجانب الآخر فيه، المخفي، الذي لا يظهر إلا في حضور باهر ومشع ، وقد يكون شفرته السرية وجنونه الطفولي.
هل أخطأ التعبير تحت لحظة توهج وفرح غامر وهي اللحظة التي يقول فيها الانسان أشياء كثيرة متسرعة وقد تكون حماقات لكنها حماقات طفل تلقى هدية مباغتة في نهار عيد؟
إن أناييس لم تملأ فراغ ميللر لكي يكتمل بل كانت اضافة له لكن ليست شرطاً لاستمراره. كان سيستمر وحده يوماً. قوته في شخصيته وليس في عكاز من الخارج مهما كان مضيئاً لكن سينكسر شيء ما يصعب ترميمه: الثقة والأمان وإما أن يحترق بنار التجربة أو يضيء.
لماذا كانت تلك العبارة مغامرة ميللر؟ هناك مثل يقول” الحجارة القوية تأتي من قريب دائماً”.
هذه المسافة صفر هي الأخطر وهنري ميللر وضع نفسه في هذه المسافة وكشفها والحجر القريب سيكون عنيفاً لأنه يكسر الأمان والمعنى في حين الحجر البعيد سيكسر القشرة الخارجية لأنه لا يملك ” الإحداثيات” الدقيقة عن المسافة ولا الخارطة السرية للذات ولا أماكن القوة والضعف.
المسافة صفر تضرب العمق بصورة غير متوقعة وخاصة منطقة الأمان والمعنى النبيل ويصبح الملاذ هو الخطر.
ما هو أعنف من الحجارة القريبة هو المصدر أو اليد التي جعلت منطقة الأمان أخطر الأمكنة وحفرت فيها الصدع الذي سيرشح منه الألم.
بلا شك رأى هنري في أناييس نن الوضوح المخيف ، هو المفتاح للدخول الى ملفاته السرية الروحية، الذي يعكسه تماماً، هي صورته الأخرى الدفينة وهو يحتاج الى العودة لها .
إكتماله هو خروجه من عالمه المخفي الى الوضوح لأنه لم يعد بحاجة الى التخفي أمام أناييس ــــــــ المرآة. لم يكتمل معها بل تعرف على أعمق ما فيه وما في الحياة. الانسان السوي لا يضيء في حضور معتم بل بحضور واضح ومشرق. الوضوح جمال لكنه كالمشي في حقل الغام في مجتمع مغلق.
في مجتمع الوضوح والشفافية والعلنية تصبح المسافة صفر حالة فردية وليست ظاهرة عامة كما في المجتمع المغلق، ولا احد يحتاج القناع والتخفي والاختباء خلف اقنعة وشعارات ولا النزول الى قيعان وأقبية نفسية سرية والتخطيط والإنسان يمكنه أن يكون في الخارج كما هو في الداخل بدون مشقة التخفي والتنكر المستنزفة. الذين عاشوا في المجتمعين، المغلق والمفتوح، يعرفون الفوارق جيداً. لا نتحدث عن عالم مثالي بل حياة طبيعية.
مع بشر حقيقيين تشعر انك في حوض استحمام ومَطْهَر ، لا تحتاج أن تبرر، لا تحتاج أن تقلق، لا تحتاج أن تفسر، لا أن تدافع عن نفسك. الوضوح يوفر طاقة التفسير والشرح ومشقة التعريف بالذات.
لاتشعر أنك طريدة في أية لحظة، لا تفكر أنك فرصة صيد في منعطف.
مع بشر أسوياء تشعر أن الحياة نزهة في حديقة، وفي كل لحظة تنمو كزهور البرية.
لست مضطراً لكي تكون غير ما أنت عليه، لا أن تقول ما يجب أن يقال بل ما تحب أن تقول، لا أن تفكر بشيء وتفعل عكسه، لا ترهق نفسك باختراق قناع ومشقة خلعه.
تجلس كما ترغب وتضحك وتصمت كما تشتهي، تبقى أو تغادر الحفل على راحتك، لن يشك أحد في حضورك أو غيابك،
لا غموض في كلام ولا في سؤال، تدخل المكان كما يدخل الهواء من ستائر
بيض شفافة.
هذا هو الشعر لأنه ليس كلمات فحسب، بل طريقة حياة أو شعرية الحياة،
هناك مشية أو لمسة أو نظرة تشبه قصيدة، الشعر في منظر زهور في نافذة أو التفاتة عفوية،
أو جلوس أنيق ومغادرة تشبه العطر، أو يد تحط على كتفك كطائر على شجرة منعزلة في برية، أو وداع نقي وآمن وسعيد.
الشعر والجمال في منظر دراجة هوائية قديمة صدئة مرمية في حديقة وهو مشهد جعل الشاعر أرثر رامبو يستعيد طفولته،
أو كعكة المادلين المغمسة بالشاي لمارسيل بروست فتذكر حياة كاملة وكتب رواية البحث عن الزمن المفقود في سبعة أجزاء،
تلك اللحظة البروتسية التي غيرت عالم الأدب.
الجمال والبهاء والانبهار في الأشياء المهملة، في فستان متهرئ على حبل غسيل، في ركض مرتبك لموعد متأخر،
أو مظلة شمس مطرزة بالزهور مرمية على رصيف، أو ثوب على مسمار صدئ في جدار عتيق، أو يد تضع فنجان قهوة بصمت شاعري يشعرك أنك في عناق حي أو مصافحة بريئة أو في حفل أطفال،
أو في يد ساندة تمتد فجأة في الزحام حين تعثر في طريق.
هذا هو الشعر، بالضبط هو الشعر وليس زخرفة كلمات. هذا هو الانسان. هذه هي الحياة في الهواء الطلق وليس في سراديب العفن وخطط الصيد والأقنعة كما لو أننا في حفلة صيد طرائد وغنائم أو حفل تنكري،
والويل لمن يدخله بوجهه الحقيقي على قول كافكا.
مع الآخر الواضح وثقافة مختلفة،تكتشف حجم الخراب والجراح وحجم الفضيحة، الآخر ليس ديكوراً أو ضداً،
بل هو مرآة لكي نرى المخفي فينا، لكي نرى ما لا نراه في المحيط المشابه،
الغراب يضيع في حقل الغربان، لكنه يصبح واضحاً في حقول طيور الكناري. بهذه الصورة اكتمل هنري ميللر.
في مجتمع الوضوح لا تجد نفسك كل لحظة أمام مخطط وألغاز،
أو شبح أو لعبة أو قناع، الوضوح جمال يشع على الوجوه كمصابيح فنار ليل بحري في الضباب،
الظاهر هو الباطن،لا تجد نفسك أمام مسرح لعصاب هستيري،
ولا مع كائن مشوه مؤمن أن التشوه طريقة حياة لأنه ولد وتعلم وعاش في مستنقع، لا ممثلين ولا مهرجين ولا أقنعة، لا مفاجأة ولا صدمة ولا غدر
في الظلام، لا إرهاق في فك شفرات وتحليل رموز يجعل الحياة بركة آسنة،
وسرداب تعذيب وحفلة جلد.
تخيل ماذا يبقى منك وأنت تعود من هذا الاستنزاف المهلك وتعدد الأدوار الى المنزل؟
مع كائنات واضحة طبيعية تقول كما تفكر لا أن تفعل عكس ما تفكر، تشعر في لحظات أنك تنمو، ليست الموسيقى التي تسمع أقل متعة من مطر على نافذة، من بهاء وعفوية النظرة وحرارة المصافحة، من نظرة آخر اليك في سطوع قمر فوق غابة برتقال أو دغل بري.
الضحك حقيقي والفرح حقيقي، مطمئن أن أحداً بعد عشرات السنوات
ستجده كما هو الآن،ليست هناك أقنعة ولا حفلات تنكرية، تدخل وتخرج بوجهك الحقيقي بلا ثقل ولا مشقة ولا استنزاف.
تصبح اللحظة زمناً طويلاً، النشوة تصعد من الوضوح، الغناء بلاغة القلب، العلنية جمال تجعل وزنك أخف،
ليست هناك عبارة خارج المعنى، لا ألغاز سوى الضحك ولا تنظر الى ساعتك
خوفاً من مرور الوقت، لأنك تعيش كل الأزمنة وتتوهج الحياة فيك وتتحول اللحظة الى تاريخ.
ينبت لك الف جناح لكي تطير، تتحول الصداقة الى نعمة ونشوة وانخطاف وخلق وهدية، لا ذاكرة ولا تخيل، الحياة تنبثق الآن أمامك، لا أحد يصنّفك أو يختزلك في ملف أو مخزن الى الأبد، لا تبحث عن كلمات لتقول.
يكفي أن تبتسم او تربت على كتف أو تستدير كوعل في دغل. عندما يبتسم الآخر تشعر أنه يحبك، عندما يضع القهوة تحس أنه عناق،
رفع الطاولة قربك حنان.
لا تحتاج ان تختفي خلف ستار أو كلمات لأن تواضع الآخرين نوع من اغراء الاطفال للنوم السعيد. كل هذه التفاصيل الانسانية البسيطة، كل هذا الكرم البشري والنظافة الداخلية كنبع ماء جبلي ينساب بعفوية، كل هذا الليل الهادئ كوجه رضيع نائم أو يحلم، كل هذا الجمال الباذخ في الحركات والكلمات المتقشفة التي تفيض عن مساحة صحراء عريقة في القدم، كل هذه الطمأنينة الدافئة التي تشعرك أنك طفل في حضن أو مهد أو على صدر،
كل هذه الكرم البشري الذي يهطل من الوجوه ومن النوافذ والطاولات والاذرع والعيون، كل ذلك وغيره يشعرك بحجم الخراب والخسارات الماضية، وأن الانسان لا يولد من رحم،
لا من الغثيان والاستجواب والقصدية والاقنعة والالغاز، بل من رحم بيئة نظيفة وعفوية وواضحة، ومن رعشة الحضور البهي وبهاء الحضور،
حيث الخروج الجذل من الحفل تحت المطر كطائر صغير يحلق في البراري لأول مرة،
حيث الصداقة ولادة والنظرة البريئة عقد شرف وميثاق، والمصافحة هدية والعناق كرم والكلمة وثيقة عهد. الكرامة وردة لا تزهر في وحل.
ـــــــــــــ
ـــــــ الصورة: جيل ” البت : Beat Generation” الامريكي التمردي بعد الحرب العالمية الثانية الذي انقلب على كل مظاهر الحياة الأمريكية وقد تعرض هذا الجيل الى محاكم كمحاكمة الشاعر غينسبرغ على قصيدة “عواء” ومحاكمة وليام بوروز على رواية “الغداء العاري” ومحاكمة هنري ميللر على رواية “مدار السرطان” كما كانت دور النشر ترفض اعمالهم بسبب اللغة العارية الطليقة في نقد المجتمع الامريكي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى