
انتصرت الصين فماذا عن إيران؟!
ميخائيل عوض / لبنان
في قراءة للحرب الجارية نضع تصورًا حادًا ومتماسكًا لمنظومة المنتصرين والخاسرين، ينطلق من معيار مختلف عن القياس التقليدي للحروب. فالانتصار، في منطقه، لا يُقاس بحجم التدمير ولا باتساع الجغرافيا المحتلة، بل بمدى القدرة على كسر أهداف الخصم ومنعه من فرض شروطه، تمهيدًا للانتقال إلى مرحلة أعلى من فرض الإرادة.
ضمن هذا الإطار، فإن الصين في موقع المنتصر الأول، بوصفها القوة التي ربحت دون أن تنخرط مباشرة في القتال، فجمعت بين تعظيم المكاسب وتقليل الكلفة، وعزّزت موقعها كقطب صاعد في نظام دولي يتشكل. إلى جانبها، تبرز باكستان كقوة صاعدة استفادت من التموضع الجيوسياسي والدور الوسيط، فيما تُصنّف روسيا كـ”رابح ثانوي” يحصد نتائج استنزاف خصومه، دون أن يكون قد حسم معاركه الخاصة بعد.
في المقابل، نقدم قراءة مركّبة لوضع إيران، نعتبرً أنها حققت مستوى متقدمًا من الانتصار الدفاعي عبر إفشال أهداف الحرب والحفاظ على تماسكها وقدراتها، مع إبقاء جزء كبير من أوراق قوتها غير مستخدم ضمن استراتيجية النفس الطويل. أما الولايات المتحدة، فنضعها في خانة الخاسر الذي أخفق في تحقيق أهدافه المعلنة، ونكشف – من خلال سلوك قيادته – عن تحوّل في طبيعة إدارة الحرب، حيث تختلط الحسابات الاستراتيجية بالمصالح الشخصية والرهانات السوقية.
*أولاً: سقوط السردية الأمريكية – ترامب ولد يعبث بالكبريت*
“ترامب ولد يعبث بالكبريت”
عبارة تعني أن العالم بات يُدار أحيانًا قرارات غير منضبطة ومخاطر غير محسوبةونخب قد تشعل الحرائق… لتتاجر بها.
إن سلوك ترامب في إدارة هذه الحرب يعكس تفكيك نموذج الدولة العاقلة. في الفكر السياسي الكلاسيكي، تُفترض الدولة – خاصة قوة كبرى مثل الولايات المتحدة – أن تتصرف وفق عقل مؤسساتي
وحسابات دقيقة للتكلفة والربح
وضمن استراتيجيات طويلة الأمد. نرى أن “الترامبية” كسرت هذا النموذج، وأدخلت نمطًا جديدًا يقوم على
1. *القرار كفعل اندفاعي*
إطلاق تهديدات قصوى (تدمير، إسقاط أنظمة)ثم التراجع أو التناقض في الخطاب
ترامب يشبه طفلًا يشعل عود ثقاب ثم يخاف من النار التي أشعلها
2. *الحرب كأداة عرض واستثمار*
استخدام التصعيد لرفع الأسعار (نفط، ذهب) خلق ذعر إعلامي تترجمه الخوارزميات الاقتصادية ذعرا اقتصاديا ثم تهدئته هنا “الكبريت” ليس فقط سلاحًا… بل أداة مضاربة.
3. *خلط الشخصي بالاستراتيجي*
إدخال مصالح عائلية وشبكية في قرار الحرب وتحويل الدولة إلى أداة صفقات وهذا أخطر ما في العبارة من يلعب بالكبريت ليس فقط متهورًا… بل قد يكون مستفيدًا من الحريق.
في البعد النفسي لزعامة بلا كوابح فترامب لا يتصرف كـ قائد حرب تقليدي
بل كـ “مقامر عالي المخاطر”
يتملكه حب الصدمة والمبالغة في التهديد والاستمتاع بكسر القواعد أي أن “اللعب بالكبريت” هنا هو سلوك مقصود لإنتاج الفوضى، وليس خطأ عرضيًا
المشكلة الكبرى في هذا النمط
أن “الكبريت” الذي يُلعب به ليس محليًا، بل عالمي مما يعني خطر الانزلاق غير المحسوب في البعد الدولي خاصة أنه يعبث بأوراق ستشعل العالم مضيق مثل مضيق هرمز، توازنات مع إيران وصراع مفتوح مع قوى كبرى كـ الصين وبالتالي اي شرارة قد تؤدي إلى انفجار إقليمي أو حتى مواجهة دولية واسعة.
الخلاصة – من “الردع العقلاني” إلى “الفوضى المُدارة”
بهذه العبارة، تحوّلًا عميقًا فسابقًا كان الردع قائم على العقل والحساب
أما الآن مع الولد الذي يعبث بالكبريت الردع أصبح عرضة لـ المزاج والمقامرة وهذا، في منطقنا ، أحد أخطر مؤشرات أفول النظام الدولي القديم.
إن خطاب دونالد ترامب الأخير تضمّن ثلاث خلاصات استراتيجية:
1. *الحرب كأداة مضاربة*
تحوّلت الحرب – في النموذج الترامبي – إلى:
أداة للتلاعب بالأسواق (النفط، الذهب، الأسهم) ووسيلة لتحقيق مكاسب شخصية وشبكية (لوبيات، شركات، عائلة) هذا تطور خطير لأن أمريكا لم تعد تقاتل فقط كدولة… بل كـ”سمسار جيوسياسي”.
2. *فشل تحقيق الأهداف الكبرى*
الأهداف المعلنة كانت إسقاط النظام الإيراني وتدمير البرنامج النووي وتفكيك محور المقاومة
لكن النتيجة أن النظام صمد
والقدرات لم تُكسر والمحور لم ينهَر، و وفق معيار الحروب:
منع العدو من تحقيق أهدافه انتصار دفاعي
3. *تصدع العلاقة مع أوروبا*
أظهر خطاب ترمل تفكك العلاقة بين أمريكا وحلف الناتو والاتحاد الأوروبي بفعل
النزعة الانعزالية الترامبية
وعمده إلى تحميل أوروبا كلفة الصراع ببنما يتراجع الالتزام الأمريكي فالغرب لم يعد كتلة واحدة كما كان طوال قرن.
*ثانيًا: إيران – من كسر الهزيمة إلى عتبة فرض الشروط*
في مقاربتنا ، لا نقرأ مكانة إيران في هذه الحرب بلغة الانتصار الدعائي، بل ضمن سُلّم تراكمي للإنجازات في الحروب الكبرى، يبدأ بمنع السقوط، ولا ينتهي إلا بفرض الشروط. ومن هذا المنظور، نضع إيران عند نقطة تحوّل فاصلة: “لقد تجاوزت مرحلة الخطر الوجودي، لكنها لم تُنجز بعد لحظة الحسم الاستراتيجي الكامل.”
إن الإنجاز الأهم الذي تحقق يتمثل في إفشال الأهداف العليا للحرب. فكل العناوين التي رُفعت – من إسقاط النظام إلى تفكيك البنية الاستراتيجية – سقطت عمليًا، ما يعني أن إيران نجحت في تحقيق الشرط الأول لأي انتصار: تعطيل إرادة الخصم ومنعه من فرض مشروعه. هذا بحد ذاته، وفق منطقه، ليس تفصيلًا، بل هو جوهر الانتصار الدفاعي في الحروب غير المتكافئة.
لكن ما يمنح هذا الإنجاز وزنه الأعمق، هو الطريقة التي أُدير بها. فإيران – لم تدخل الحرب بمنطق التفريغ الكامل لقدراتها، بل اعتمدت إدارة مدروسة لإيقاع التصعيد، حافظت فيها على
جزء معتبر من قدراتها غير مستخدم حتى الآن،تعددية جبهات الفعل دون استنزاف شامل، توازن دقيق بين الردع والتصعيد وتنسيق عالي بين كل الجبهات.
وهنا يبرز مفهوم محوري في طرحه الحرب الطويلة كخيار واعٍ. فإيران، بحسب هذا التصور، لا تقاتل لكسب جولة سريعة، بل لتراكم شروط النصر عبر الزمن، ما يفسر الامتناع عن استخدام كل الأدوات دفعة واحدة، وترك مساحات للمفاجأة والتدرج.
غير أنناو نميّز بوضوح بين مستويين:
منع الهزيمة (وقد تحقق)
فرض النصر (ولم يُحسم بعد)
وهنا تكمن الفكرة الاستراتيجية. إيران التي صمدت حتى الآن
هل تستطيع تحويل هذا الصمود إلى سيطرة على مسار النتائج وفرض الشروط؟
بمعنى أدق، نربط اكتمال الانتصار بثلاث نقلات نوعية لم تتحقق بعد بشكل نهائي:
1- الانتقال من الدفاع إلى فرض المعادلات السياسية.
2- ترجمة الصمود العسكري إلى نفوذ إقليمي مُعاد تشكيله.
3- الانتقال من إدارة الحرب إلى التحكم بنهاياتها.
لذلك، يختار توصيفًا دقيقًا
“إيران ليست مهزومة قطعًا، وليست منتصرة بالكامل، بل هي في موقع “الرابح الذي لم يُعلن انتصاره بعد”.
وفي عمق هذا التوصيف، إن ما يُبقي النتيجة مفتوحة هو قرار إيراني بحد ذاته، لا عجز. فامتلاك أوراق القوة غير المستخدمة، وتعدد الجبهات، واستمرار القدرة على التصعيد، كلها مؤشرات على أن طهران – في هذا التصور – تؤجل لحظة الحسم ولا تفقدها.
وعليه، فإن موقع إيران في هذه الحرب لا يُفهم كنقطة نهاية، بل كـعتبة استراتيجية إما أن تُستثمر للانتقال إلى فرض الشروط،أو تبقى ضمن حدود الانتصار الدفاعي، دون الارتقاء إلى مستوى إعادة تشكيل التوازنات.
*ثالثًا: الصين – انتصار بلا حرب وإعادة تموضع في مركز الثقل العالمي*
في صلب قراءتنا ، تتقدّم الصين ليس فقط كرابح، بل كـالمنتصر الأكبر في هذه الحرب، انطلاقًا من نموذج مختلف كليًا عن النماذج الكلاسيكية للانتصار. فالصين، وفق هذا الطرح، لم تنتصر عبر القتال، بل عبر إدارة الصراع من خارج الميدان، محققة المعادلة الأصعب: تعظيم النتائج دون دفع الأكلاف.
إن جوهر الانتصار الصيني يكمن في أنها خاضت هذه الحرب بطريقة غير مباشرة، حيث لم تُستنزف عسكريًا أو اقتصاديًا، بل تحولت إلى مراقب استراتيجي يختبر العالم وهو يشتعل. فمن خلال هذه الحرب، استطاعت أن تقيس فعليًا حدود القوة الأمريكية، لا في النظريات، بل في الميدان: من أداء البحرية، إلى قدرة التحالفات، إلى فعالية الردع. وبهذا المعنى، لم تكن الحرب عبئًا على الصين، بل كانت مختبرًا مجانيًا لإعادة تقييم توازن القوى العالمي.
وفي مستوى أعمق، نربط بين ما جرى وبين تفكيك البنية الاستراتيجية التي بنتها الولايات المتحدة في آسيا خلال عقود. فواشنطن، التي كانت تكدّس تحالفاتها وتستعرض قوتها في شرق آسيا لمحاصرة الصين، وجدت نفسها مضطرة لسحب جزء من تركيزها ومواردها نحو ساحات أخرى، ما أدى إلى:
– إضعاف مصداقية التهديدات الأمريكية
– اهتزاز ثقة الحلفاء الإقليميين
– كشف حدود القدرة على خوض أكثر من صراع في آن واحد
وهنا النقطة المفصلية : الصين لم تكسر أمريكا عسكريًا، بل دفعتها إلى كسر منظومة ردعها بنفسها.
اقتصاديًا واستراتيجيًا، خرجت الصين – في هذا التصور – أكثر تماسكًا. فهي، كما يشير، تمتلك احتياطات استراتيجية وقدرات إنتاجية تجعلها أقل عرضة للابتزاز في سلاسل الإمداد والطاقة، بل قادرة على امتصاص الصدمات، في وقت كان فيه الخصوم ينزفون. وهذا يعني أن الحرب، بدل أن تُضعفها، ساهمت في تعزيز موقعها كقطب اقتصادي عالمي لا يمكن تجاوزه.
أما دبلوماسيًا، فقد عززت الصين صورتها كقوة مسؤولة، حاضرة في إدارة الحلول لا إشعال الأزمات، ما منحها موقعًا متقدمًا كشريك موثوق، مقابل تراجع صورة الغرب كقوة مستقرة. وبهذا، لم تربح فقط في ميزان القوة، بل أيضًا في ميزان الشرعية الدولية.
كما تشدد بشكل واضح على أن الصين لم تنفق مالًا يُذكر ولم تخسر بشرًا و لم تُستنزف مواردها
أي أنه لا يتحدث فقط عن “ربح بلا حرب”، بل عن: نموذج ربح نادر في التاريخ: مكاسب استراتيجية دون أي كلفة تُذكر.
كما أعطى وزنًا كبيرًا لمسألة
تراجع فعالية الحضور البحري الأمريكي وفشل الاستعراض العسكري في تحقيق الردع
وهذا يرتبط مباشرة بمصالح الصين في بحر الصين وتوازنات شرق آسيا. كما أشار إلى تفكك التحالفات الآسيوية ضد الصين
عبر مواقف اليابان وكوريا الجنوبية وعدم اندفاعهم خلف واشنطن هذه ليست تفصيلًا، بل دليل على تآكل منظومة الاحتواء الأمريكية للصين.
ومن هنا نقطة دقيقة
الصين باتت قادرة (حتى على ملفات مثل تايوان)لكنها لا تذهب للحرب لأنها قوة تجارية عقلانية هذه نقطة جوهرية فالصين تنتصر لأنها لا تتصرف كقوة عسكرية تقليدية.
في.الخلاصة أن الصين حققت في هذه الحرب ما تعجز عنه الجيوش وهو إعادة تشكيل التوازن الدولي دون إطلاق رصاصة واحدة. فهي لم تنتصر على خصم محدد فحسب، بل انتصرت على النموذج الذي حكم العالم لعقود، عبر كشف حدوده ودفعه إلى التآكل الذاتي.
وبهذا المعنى، لا تُفهم الصين كطرف مستفيد من الحرب، بل كقوة نجحت في توظيفها كرافعة تاريخية لتسريع انتقال مركز الثقل العالمي نحوها.
*رابعًا: روسيا – رابح ثانوي إدارة ذكية وأداء ينتظر الاستثمار*
تحتل روسيا موقعًا وسيطًا بين الخسارة والانتصار، حيث نصفها بدقة كـ**”رابح ثانوي”**، أي قوة استفادت بعمق من نتائج الحرب، لكنها لم تحسم بعد انتقالها إلى مرتبة المنتصر الكامل. هذا التوصيف لا ينتقص من حجم المكاسب الروسية، بل يضعها ضمن منطق تراكمي يرى أن الاستفادة من تحولات الصراع لا تعني بالضرورة حسمه.
إن الحرب الجارية شكّلت لروسيا فرصة استراتيجية غير مباشرة، إذ إن انخراط الولايات المتحدة في هذا الصراع أدى إلى استنزاف قدراتها واهتزاز أولوياتها، ما انعكس فورًا على الجبهة الأوكرانية. فواشنطن، التي كانت تقود دعم أوكرانيا سياسيًا وعسكريًا، بدأت – وفق ما نشير – بإعادة توجيه مواردها واهتمامها، بل وبالحديث عن تحويل شحنات السلاح والذخائر بعيدًا عن كييڤ. وهذا التحول، في نظره، ليس تفصيلاً، بل اختراقًا في ميزان الحرب لصالح موسكو.
إلى جانب ذلك، نربط بين الحرب وارتفاع أسعار الطاقة، ما يمنح روسيا رافعة اقتصادية مباشرة، تعزز قدرتها على الصمود والاستمرار، وتخفف من أثر العقوبات. فكل اضطراب في أسواق النفط والغاز يتحول – ضمن هذا السياق – إلى مكسب روسي، يعيد ضخ الموارد في آلة الحرب ويمنحها هامشًا أوسع للمناورة.
لكن المكسب الأعمق، في طرحه، يتمثل في تفكك الجبهة الغربية. فالعلاقة بين الولايات المتحدة وحلف الناتو والاتحاد الأوروبي لم تعد على صلابتها السابقة، مع تصاعد النزعات الانعزالية والتباينات في المصالح. وهذا التفكك ، يضرب أحد أهم عناصر القوة التي واجهت بها روسيا منذ بداية الحرب وهو وحدة القرار الغربي. ومع تراجع هذه الوحدة، تتآكل القدرة على الاستمرار في المواجهة بنفس الزخم.
ويضيف إلى ذلك بعدًا تقنيًا–عسكريًا، يتمثل في أن الحرب أتاحت اختبار أنماط جديدة من الأسلحة والتكتيكات، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ضمن بيئة قتال مركبة. وهنا يشير إلى أن جزءًا من المنظومات المستخدمة يحمل جذورًا سوفيتية، ما يمنح روسيا أفضلية معرفية وتراكمًا خبراتيًا يعزز موقعها في سباق التسلح.
ومع كل هذه المكاسب، إن روسيا لم تبلغ بعد مرتبة الانتصار، لأن ذلك لا يتحقق بالاستفادة من أخطاء الخصم فقط، بل بـاستثمار اللحظة التاريخية وفرض نتيجة حاسمة. وهنا يضع الشرط المركزي: أن تتحول هذه الأرباح إلى فعل هجومي حاسم في أوكرانيا، يترجم التفوق النسبي إلى إنجاز نهائي يفرض الوقائع على الأرض.
بمعنى آخر، إن روسيا تقف اليوم عند مفترق طرق فإما أن تبقى في موقع القوة المستفيدة من استنزاف خصومها،أو أن تنتقل إلى موقع القوة المنتصرة عبر قرار استراتيجي بالتصعيد والحسم.
لذلك، فإن توصيفها كـ”رابح ثانوي” ليس حكمًا نهائيًا، بل وضعية انتقالية مفتوحة. فهي تمتلك عناصر القوة والفرصة، لكنها لم تحوّلها بعد إلى نصر مكتمل. وفي هذا المعنى، فإن موقعها بعبارة ضمنية “روسيا ربحت من الحرب… لكن انتصارها يتوقف على ما ستفعله بما ربحته.”
*خامسًا: باكستان – الرابح الصاعد وإعادة التموضع في قلب آسيا*
في خريطة الرابحين ، لا تقتصر النتائج على القوى الكبرى، بل يبرز باكستان كـرابح صاعد من الدرجة الثانية إلى جانب الصين، مستفيدة من لحظة التحول الدولي لإعادة تثبيت موقعها في معادلة القوة الإقليمية والدولية. هذا الصعود، وفق طرحنا، ليس طارئًا، بل نتيجة تموضع ذكي في تقاطع الجغرافيا والسياسة والتحالفات.
إن باكستان تمسك بموقع جيوسياسي فريد، يجعلها نقطة وصل حيوية بين:
الشرق الآسيوي الصاعد(الصين)
والعمق الإقليمي المقاوم (إيران)
وفضاء الطاقة في الخليج
وهذا الموقع، في سياق الحرب، لم يعد مجرد ميزة جغرافية، بل تحوّل إلى أداة تأثير فعلي في مسارات الصراع. ويعزز ذلك بالإشارة إلى الحراك الدبلوماسي الباكستاني، حيث يلفت إلى زيارة وزير خارجيتها إلى بكين وعودته بطرح مشروع للحل، ما يعكس أن باكستان لم تعد على هامش الأحداث، بل بدأت تتحرك كـفاعل سياسي ضمن محور صاعد.
وفي قراءة أعمق، نربط صعود باكستان بالدور الذي تؤديه ضمن الهندسة الاستراتيجية الصينية في المنطقة. فهي ليست فقط حليفًا، بل قاعدة ارتكاز و
ممرًا استراتيجيًا وأداة توازن في مواجهة مشاريع منافسة
ومن هنا، تتحول إلى عنصر أساسي في تثبيت نفوذ الصين، وفي تأمين التواصل بين فضاءات آسيا المختلفة، بما يعزز تشكّل كتلة جيوسياسية متماسكة تمتد من شرق آسيا إلى غربها.
الأهم في طرحنا هو المقارنة الضمنية التي يعقدها بين هذا الصعود وبين تراجع أدوار قوى تقليدية في الإقليم، وعلى رأسها مجلس التعاون الخليجي. فالدول الخليجية، التي كانت تلعب أدوارًا مؤثرة في معادلات الطاقة والسياسة، تبدو بعد ما تعرضت له أقل حضورًا في صياغة نتائج الحرب، بل إن بعض سياساتها السابقة، خاصة قبل التحولات الأخيرة، والتي وُضعت في خانة التموضع الخاطئ ما يؤشر بقوة أن هذه الكيانات المصنعة لن تعود موجودة بعد الحرب.
بشكل خاص إلى أن التفاهمات الإقليمية لم تعد تُدار من الخليج بل إن
ممرات التأثير الاستراتيجي بدأت تتحول شرقًا عبر أدوار الوساطة والتأثير التي انتقلت إلى قوى جديدة، وهنا تبرز باكستان كـبديل وظيفي سيرفرف علمه عاليا وسيكون قادرا على لعب أدوار الربط بين القوى والتهدئة أو التفاوض
وتأمين المصالح المتقاطعة
ضمن شبكة علاقات تجمعها بكل من الصين وإيران، وبعلاقات قائمة مع الخليج أيضًا، ما يمنحها مرونة لا تتوفر لغيرها.
وفي خريطة “رابح–خاسر–منتصر” التي نقدمها ، تأخذ باكستان موقعًا متقدمًا بين الرابحين، ليس فقط بسبب ما حققته فعليًا، بل بسبب ما أصبحت مؤهلة للقيام به لاحقًا. فهي، في هذا التصور، لا تكتفي بجني نتائج الحرب، بل تتحول إلى جزء من بنية النظام الآسيوي الجديد الذي يتشكل على أنقاض التراجع الغربي.
بذلك، لا يكون صعود باكستان تفصيلاً ثانويًا، بل مؤشرًا على تحول أعمق لانتقال مراكز التأثير من محاور تقليدية إلى عقد جيوسياسية جديدة، تتقدم فيها قوى مثل باكستان لتملأ الفراغ وتعيد رسم خرائط النفوذ.
في خلاصة الرؤية المنهجية التي نقدّمها، لا يمكن فهم هذه الحرب من زاوية نتائجها المباشرة فقط، بل من خلال الخريطة المفاهيمية التي أسّس عليها تحليله: رابح – خاسر – منتصر. هذه الخريطة لا تُعيد تصنيف الأطراف فحسب، بل تعيد تعريف معنى النصر والهزيمة في زمن التحولات الكبرى.
ننطلق من كسر القاعدة التقليدية التي تربط النصر بالحسم العسكري، لنطرح معيارًا أكثر تعقيدًا:
– الخاسر هو من يفشل في تحقيق أهدافه رغم امتلاكه التفوق
– الرابح هو من ينجو ويمنع الهزيمة ويستفيد من مسار الصراع
– المنتصر هو من يفرض شروطه ويعيد تشكيل التوازنات
وبهذا المقياس، تتضح صورة غير مألوفة لمآلات الحرب.
في خانة الخاسرين، يضع الولايات المتحدة وإسرائيل، ليس بسبب خسارة ميدانية حاسمة، بل لأنهما أخفقتا في تحقيق الأهداف التي شُنت الحرب من أجلها. فالفشل هنا بنيوي: عجز عن إسقاط الخصم، ارتباك في إدارة الصراع، وتآكل في صورة الردع. الأخطر من ذلك، أن هذا الفشل ترافق مع تفكك داخلي في منظومة التحالفات، ما يحوّل الهزيمة من حدث عسكري إلى أزمة نموذج.
في المقابل، تتوزع خانات الرابحين على مستويات مختلفة. تقف إيران كنموذج لـ”الرابح الدفاعي”، إذ نجحت في الصمود وكسر أهداف الحرب، لكنها لم تنتقل بعد إلى فرض شروطها النهائية. إلى جانبها، تبرز روسيا كرابح ثانوي استفاد من استنزاف خصومه وتفكك جبهتهم، دون أن يحسم معركته الخاصة. أما باكستان، فتظهر كقوة صاعدة أعادت التموضع داخل النظام الآسيوي، مستفيدة من موقعها الجيوسياسي ودورها المتنامي.
غير أن الذروة في هذه الخريطة تتجسد في الصين، التي نضعها في موقع المنتصر الأكبر. فهي، وفق منطقه، القوة الوحيدة التي حققت شروط الانتصار دون أن تدخل الحرب فهي لم تُستنزف، لم تُستهدف مباشرة، لكنها خرجت وقد تعزز موقعها، وتراجعت أمامها قدرة خصومها، وتفككت البنية التي كانت تُستخدم لمحاصرتها. بهذا المعنى، لا يكون انتصار الصين نتيجة المعركة، بل نتيجة إدارة ذكية لمسارها من الخارج.
ما تكشفه هذه الخريطة في عمقها هو أن العالم يشهد تحولًا في طبيعة القوة نفسها التي لم تعد القوة حكرًا على من يملك التفوق العسكري المباشر، بل على من يستطيع إدارة الصراع
واستثمار تناقضات الخصوم
وتحديد توقيت الدخول والخروج
وهنا تتجلى الفكرة الأهم في هذه الحرب التي لم تُحسم بعد في الميدان، لكنها حُسمت في الاتجاه. لقد كشفت حدود النموذج الغربي، وأظهرت صعود نموذج آسيوي أكثر صبرًا ومرونة، وأعادت توزيع مراكز التأثير على نحو غير مسبوق.
وعليه، فإن خريطة “رابح–خاسر–منتصر” ليست توصيفًا مرحليًا، بل إعلان عن بداية دورة تاريخية جديدة، حيث يتراجع الغرب من موقع الهيمنة وتتقدم آسيا كمركز ثقل
وتُعاد صياغة قواعد الصراع الدولي
إنها، في جوهرها، لحظة انتقال من عالم يُدار بالقوة الصلبة، إلى عالم يُعاد تشكيله عبر إدارة القوة.
🖊 ميخائيل عوض