
ـــــ الطريقة الوحيدة لكشف أكاذيب السياسيين هي رواية قصصنا. * خوان غابريل فاسكيز، روائي من كولومبيا.
لو أن كل واحد منا كتب سيرته وقصصه، لكتبنا التاريخ العام الحقيقي المخفي والمنسي والمقصي وليس هذا التاريخ العام المزور. هو الارشيف الحي والذاكرة المبعدة . كتب تولستوي:
“إن حركة الشعوب لا تنتج عن القوة التي يمارسها الحكام، بل عن نشاط جميع الناس المشاركين في الأحداث.”
التاريخ من أسفل History from Below تحول جذري في كتابة التاريخ لا على أنه سرديات سلطة وسجلاتها المكيفة كما ترغب بل شهادات من في القاع من عمال وحراس وجنود وربات بيوت وأطباء مناوبة وليس سيرة أبطال ملوك وزعماء .
التاريخ من أسفل ، من القاع، من الهامشي، من المقصي من الشهادة والحكاية والدور والسلطة، هو التاريخ الحقيقي الذي لا يقترب منه المؤرخ ويلجأ الى” الوثائق ” والسجلات الرسمية.
يقول المثل الافريقي” “حتى تملك الأسود مؤرخيها، ستظل حكايات الصيد تمجد الصياد دائماً.” فتاريخ الصيد كتاريخ السلطة حكاية صياد لكن لا احد سمع شهادة الطريدة.
عبر العصور والتاريخ يكتبه المؤرخون عن القصور الحاكمة والحروب وتم خلق سردية وحيدة وإهمال ما كان يحدث في البيوت والحقول والشوارع والميادين وكل الأشخاص الذين ساهموا في بناء حضارات واختفوا بلا سجلات كالعبيد والنساء والعمال .
كمثال حي يحدث اليوم أمامنا عن الحديث عن انقاذ الطيار الامريكي ووصفه بالعمل الخارق والتاريخي والاستثنائي في تهويل مقصود للتغطية على الحدث الاصلي في السقوط لكن لا ذكر لمن اسقطها وقد يكون جندياً فقيراً أو عامل ورشة من المتطوعين او الاحتياط أو مزارعاً تم التعتيم عليه بحيث اصبح المعتدي بطلاً ومن أسقطه هامشا منسيا: هذا هو بالضبط تاريخ السلطة المقلوب عبر العصور.
اذا كان التاريخ من أعلى يعكس انتصارات السلطة من وجهة نظرها، فالتاريخ من أسفل يعكس وجهة نظر المهزومين والمخفيين من التاريخ ومن صناعة الحدث وهم شركاء في صناعة التاريخ الحقيقي.
أين نعثر على التاريخ من أسفل؟
نعثر عليه من المرويات الشفوية ومن الأمثال والحكم ومن الحوادث الصغيرة التي تحتوي على صورة واسعة من التاريخ في زمان ما أو مكان ما وفي مذكرات الجنود الاحياء والموتى وفي قصص المواقد وحكايات المسعفين في الحروب وليس بلاغات السلطة.
التاريخ من أسفل هو سردية التابع والهامشي والمحذوف واليتيم والأعزل الذي لا يحضر في كتب التاريخ في اقصاء متعمد طبقي وعنصري لكي تسود السردية الرسمية أو الحزبية الانتقائية الملفقة وتحويل المقصي الى فاعل ومن يعيش على الحافة الى شاهد حقيقي وتحويل المعلومات الى عدالة.
لم يحدث في التاريخ ان قامت سلطة بكتابة تاريخ الفقراء والمهمشين لانها لو فعلت ذلك ستكشف نفسها وتتحدث عن انتصارات ومكاسب وانجازات وكل سرديات السلطة كاذبة ومثلها سرديات الجماعات والاحزاب وخاصة في ما يتعلق بالمختلفيـن.
أي أن الجزء الجوهري من تاريخ الماضي والحاضر كاذب ومكتوب بدوافع رغبية. اللغة السياسية مصممة في الأصل على الكذب ومن هنا تعارض وتناقض الخطاب السياسي مع الخطاب الروائي.
لكن ما يفسد عليها تزوير التاريخ هو رواية المثقف والفنان والمفكر المستقل والخطاب الروائي وهو خطاب التاريخ من الاسفل history from below ومن المسكوت عنه والمحجوب ومن مخلوقات القاع والعتمة والحافات.
كان ابن خلدون اول مثقف جعل التاريخ رواية الهامشي والمخفي ونقله من الصالونات الى الشوارع والعامة.
التاريخ الحقيقي لا يوجد في خطابات السلطة ولا وعودها ولا في حفلاتها وطقوسها بل التاريخ في الجوانب الخفية وفي مدن وبشر الحافات
خارج النظام والهامشيين في ضواحي الصفيح والأكواخ ومستشفيات الجرحى وفي أمكنة العزل كالزنازين والسراديب المغلقة وغرف المحتضرين وفي أنين الأرامل، في الأكواخ تحت المطر.
وليس في سرديات الحانات والصالونات والمقاهي والمكاتب الأنيقة وهموم المثقفين وثرثراتهم.
التاريخ الحقيقي من الأسفل وليس من الاعلى كما يفعل المؤرخون بالاعتماد على وثائق النظم واستبعاد شهادات الضحايا ومن على الهامش او من شهود الاحداث كالحراس والسواق والبوابين والخدم ومن على صورهم.
هو السبب الرئيس الذي يجعل السلطة تروج سردياتها الملفقة وتعاقب تحت ذرائع كاذبة أي خطاب مضاد ولو من بائع جوال بلا قوة.
في النظام السابق كانت السلطة تعاقب على سرديات الأحلام ومداهمة اللاوعي آخر معاقل الاختباء من السلطة.
إنها سردية الانسان الأعزل المنفى والمغترب داخل الجماعات والحشود والرقم في نشرات الأخبار كقتيل أو مخطوف أو أسير. هو المغرم بالتفاصيل الصغيرة التي لا يحفل بها أحد الذي لا يتحدث عن البطولة بل المصير والكرامة وسردية الأعزل تكشف زيف حكايات السلطة. الأعزل ليس المجرد من القوة بل المجرد من الخسة والسلطة وهو الراوي الأخير عندما تهدأ الأيام وتنتهي صلاحية السرديات الرسمية والمغرضة.
تاريخ ما بعد الضجيج ونهاية الهذيان الجماعي وانحسار البريق والهالة وما يرسخ في الذاكرة بعد غربال الأيام وسقوط الأقنعة والإنتقام الأخير من الظلم الذي لحق به الذي لم يكن يملك ما يخسره غير صوته. تاريخ الهامشي الذي عندما يروي يعيد الحقيقة الى الشعب والمقاومة الصامتة في الحقول والمعامل والمطابخ والسجون.
يوم كتبت ” تاريخ الأرامل” في شارعنا، إنما كتبت تاريخ قرون من تاريخ منسي ومهمل ومقصي مع انه تاريخ نظيف ومشرف ولا تنقصه البطولة في الكدح وتربية الأبناء والصبر على الكوارث بلا ضمانات حياة وهذا التاريخ يزعج المترفين والباحثين عن حكايات الشيوخ والقصور ونخب المال والحسب والنسب والجاه والسلطة.
كتاب “تاريخ شعبي للولايات المتحدة” – هوارد زن A People’s History of the United States – Howard Zinn يعتبر هذا الكتاب النموذج الحقيقي لمدرسة التاريخ من أسفل وقلب الرواية الرسمية الأمريكية.
بدلاً من تمجيد المؤسسين، يتحدث عن نضالات الهنود الحمر، العبيد، النساء، والنقابات العمالية.
وكتاب The Many-Headed Hydra الهايدرا متعددة الرؤوس: البحارة، والعبيد، والعوام، والتاريخ المخفي للمحيط الأطلسي ” لبيتر لاينبو عن تاريخ القراصنة والعبيد المتمردين في المحيط الأطلسي عن تحالفات الفقراء، والعبيد الأفارقة، والبحارة، والمضطهدين الذين تمردوا ضد النظام الرأسمالي الناشئ والهايدرا وحش اسطوري متعدد الرؤوس.
بدل سيرة الجنرال ، سردية الاسكافي. بدل بطولات القائد، حكاية الأرامل. كيف نشأ الحب والخوف والسلطة؟ وكل الأسئلة المنسية.
كيف تطورت مشاعر الحب والخوف والموت عبر القرون؟ هذه الاسئلة تعيد التاريخ الى أصله الحقيقي كروايات: “ليس للحرب وجه أنثوي للروائية سفيتلانا أليكسييفيتش حاملة نوبل، و” ثلاثية غرناطة” رضوى عاشور، ومدن الملح لعبد الرحمن منيف، وعزازيل ليوسف زيدان، وإسم الوردة لأمبرتو إيكو، ورجال في الشمس لغسان كنفاني وغيرها. التاريخ غير المروي.
سيأتي اليوم مهما طال الذي ينتصر فيه الهامشي على سردية المركز والسلطة والجماعات المتحزبة لان من يملك وسائل النشر لم يعد هؤلاء بل عامة الناس الذين يسردون قصصهم ويسقطون الاصنام بعد ان استعاد الهامشي صوته من الاقبية والعزل والاقصاء والتعتيم الى العلنية والقوة والوضوح.
كما يقول المفكر الهندي الكبير راناجيت غوها في دراسات الهامشيين:
“لا يمكن فهم تاريخ الأمة دون سماع صوت التابع”.
التابع هم المستبعد من القرار والحفل والسلطة والمشاركة والمهمش عرقياً أو دينياً أو جنسياً كالنساء أو طبقياً كالرعاة والحرفيين والباعة الجوالين الذين ينظر لهم نظرة دونية وعنصرية خفية لان الانسان لا يصنف حسب المهنة مهما كانت بل على اساس انساني ، وكان المفكر انطونيو غرامشي أول من استعمل مفهوم ” التابع” في كتابه” دفاتر السجن”.
تحولت دراسات التابع الى مدرسة من كبار المفكرين في قارة آسيا في الثمانينات مثل المفكرة غياتري سبيفاك وشاهد امين وهومي بابا الذين قلبوا السرديات السلطوية والاستعمارية وقاموا بثورة معرفية تبحث في ثغرات الارشيف والبحث عن الحقيقة ليس في القصور بل في الاكواخ لكي تزيح سردية السلطة لصالح سردية الهامشي ويحل البوح محل المسكوت عنه وغير المفكر فيه.