رؤي ومقالات

ميخائيل عوض يكتب : إيران مفرمة الطائرات … لبنان مفرمة الدبابات والآتي أعظم ..!!!

إيران مفرمة الطائرات… لبنان مفرمة الدبابات والآتي أعظم ..!!

ميخائيل عوض  / لبنان

في قراءة لآخر التطورات الميدانية للحرب الجارية  كحدث مفصلي يعيد تشكيل العلاقة بين القوة والقرار، وبين الميدان والاقتصاد، وبين الإرادة والسيادة، ويتمايز العالم فيه بحق بين معكسرين معسكر الخير والصمود والدفاع عن الأرض والمستضعفين، ومحور الشر والإبادة والتوحش. فالصراع ،  لم يعد يدور حول كسب معركة أو خسارتها، بل حول كسر أنماط الهيمنة التقليدية التي حكمت النظام الدولي لعقود، وفي مقدمتها احتكار السماء، والسيطرة على البر، والتحكم بالممرات الحيوية.
ضمن هذا الإطار، تتكامل ثلاث صور مركزية: “مطحنـة الطائرات” التي تضرب التفوق الجوي، و“مطحنـة الدبابات” التي تفكك قدرة الحسم البري، و الذي يتحول من أداة تحكم اقتصادي إلى ساحة إعادة تعريف للسيادة. هذه العناصر، في مجموعها، لا تعكس مجرد تطورات ميدانية، بل تشير إلى تحول بنيوي في طبيعة الحرب، حيث تتراجع القدرة على الحسم السريع لصالح صراعات طويلة تُدار بمنطق الاستنزاف وتوازن الإرادات.

العالم  أمام صدام بين نموذجين :
– نموذج الهيمنة السريعة القائمة على التفوق التكنولوجي
– ونموذج الصمود طويل النفس القائم على الاستنزاف والتكيّف
وبين هذين النموذجين، تتشكل ملامح عالم جديد، قد لا يُولد بسهولة، لكنه—كما كل ولادة تاريخية—يُنتزع من رحم الصراع.

*أولًا: من “الصدمة والترويع” إلى “الاستنزاف المتبادل”*
منذ نهاية الحرب الباردة، اعتمدت العقيدة العسكرية الأمريكية على مبدأ الحسم السريع عبر التفوق الجوي المطلق و قدرتها على توجيه الضربات الدقيقة وشلّ قدرات الخصم في الساعات الأولى من المواجهة.

غير أن ما تشير إليه الوقائع هو تآكل هذا النموذج. فبدل أن تكون السماء مجالًا مغلقًا أمام الخصوم، بدأت تتحول إلى فضاء متنازع عليه، وبدل أن تكون الدبابة أداة اقتحام، باتت هدفًا مكلفًا في بيئة مشبعة بالصواريخ الدقيقة.
هذا التحول يعني ببساطة
أنه لم يعد ممكناً لأي قوة في مواجهة إيران وحلفائها اليوم و مهما بلغت درجة تفوقها العسكري والتكنولوجي، أن تحسم الحرب دون دفع أثمان تصاعدية ودون أن تتوقع الهزيمة والانكسار في الهيبة.

*ثانيًا: “إيران مطحنـة الطائرات” – كسر احتكار السماء*
في تطور نوعي يسميه فرط استراتيجي في الميدان حيث أسقطت وأصابت القوات الإيرانية فخر الصناعات الأمريكية  الجوية لطائرات من طرازي F-15 وA10 وهو ما يسميه ” مطحنة الطائرات” أو ” مفرمة الطائرات”   ومن اعتبار أن التفوق الجوي لم يكن مجرد عنصر ضمن أدوات الحرب، بل كان الركيزة الحاسمة التي بُنيت عليها العقيدة القتالية الغربية وخاصة الأمريكية منذ عقود. فامتلاك السيطرة المطلقة على السماء منح القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة وإسرائيل، القدرة على شلّ الخصوم في المراحل الأولى من أي مواجهة، عبر الضربات الاستباقية، وتدمير البنى التحتية العسكرية، وفرض إيقاع المعركة دون قدرة الطرف الآخر على الرد الفعّال. إلا أن ما سميناه بـ”مفرمة الطائرات” يشير إلى تحوّل نوعي، حيث لم تعد السماء فضاءً آمناً أو محتكرًا، بل ساحة اشتباك مفتوحة تتعرض فيها الطائرات—بما فيها المتقدمة—للاستهداف والإسقاط. هذا التطور، وفق منطقه، لا يقتصر على خسارة تكتيكية، بل يضرب جوهر العقيدة الجوية نفسها؛ إذ يؤدي إلى تآكل الردع، ويمنح الخصم ثقة متزايدة بقدرته على الصمود والمواجهة، ويُفقد القوة الجوية دورها كأداة حسم سريعة ويسقط هيبة هذه الصناعات وبهذا المعنى، فإن إسقاط طائرة واحدة في هذا السياق يتجاوز قيمته المادية، ليصبح حدثًا استراتيجيًا يعكس بداية انهيار احتكار السماء، وبالتالي اهتزاز الأساس الذي قامت عليه هيمنة عسكرية كاملة.

*ثالثًا:  مطحنـة الدبابات: انهيار أسطورة الحسم البري في لبنان*
في امتداد مباشر لمنطق “مطحنـة الطائرات”،  إن مفهوم “مطحنـة الدبابات” كما وصفناه  تعبيرًا عن تحوّل عميق في معادلات القتال البري ، حيث لم تعد الدبابة—التي شكّلت تاريخيًا رأس حربة الهجوم والحسم—قادرة على أداء دورها التقليدي في بيئة قتالية معادية ومشبعة بوسائط الاستهداف. في قراءته لما يجري في لبنان،  بين الاشتباك القريب (مسافة صفر) واستخدام الصواريخ المضادة للدروع والتكتيكات المرنة، ليؤكد أن ساحة المعركة تحوّلت إلى فضاء استنزاف قاسٍ، تُسحب فيه الدبابات من موقع المبادرة إلى موقع الانكشاف. فبدل أن تكون أداة اختراق، تصبح هدفًا ثابتًا نسبيًا، تُستدرج إلى كمائن مُحكمة وتُدمَّر ضمن معادلة كلفة/فعالية مختلة لصالح المدافع. وبهذا المعنى، لا تعود خسارة الدبابات مجرد خسارة عددية، بل مؤشرًا على تعطل عقيدة “الاندفاع المدرّع” التي اعتمدتها إسرائيل في حروبها البرية.
إن ما يجري في لبنان ليس فقط إعاقة تقدم، بل تفكيك تدريجي لقدرة الحسم البري، بما يحوّل أي توغل إلى مغامرة عالية الكلفة، ويفرض على العدو الانتقال من منطق السيطرة السريعة إلى واقع الاستنزاف الطويل في واقع أداء عبقري للمقاومة هناك.

*رابعًا: مضيق هرمز: من عنق زجاجة اقتصادي إلى ساحة كسر الهيمنة وإعادة تعريف السيادة*
  مضيق هرمز بوصفه مجرد ممر حيوي لتدفق الطاقة، يؤدي تعطيل المرور به إلى مأزق اقتصادي فحسب بل يُعاد تعريفه كساحة مركزية للصراع على الشرعية والسيادة في النظام الدولي. فالمضيق، الذي شكّل لعقود ركيزة من ركائز التحكم الغربي بالاقتصاد العالمي عبر ضبط إمدادات النفط والغاز، يتحول بأداء إيران العسكري من أداة ضغط بيد الولايات المتحدة وحلفائها إلى مجال لإعادة توزيع القوة. في هذا السياق، لا يُنظر إلى التحرك الإيراني كتهديد لحرية الملاحة، بل كفعل استراتيجي مزدوج الأبعاد: عسكريًا، عبر كسر احتكار السيطرة البحرية وفرض معادلة ردع في واحد من أهم الممرات العالمية؛ واقتصاديًا، وعبر تقويض قدرة الغرب على استخدام الطاقة كسلاح إخضاع وعقوبات. وبهذا المعنى، يصبح المضيق نقطة تحول من “عنق زجاجة” تتحكم به قوة واحدة إلى “مفصل سيادي” مفتوح على توازنات جديدة، حيث يُعاد تعريف حرية الملاحة ليس كامتياز تضمنه الهيمنة، بل كحق يُنتزع ضمن معادلة قوة متكافئة، ما يشير إلى تصدع أحد الأعمدة البنيوية للنظام العالمي الرأسمالي.

*خامسًا: سقوط الهيبة …الحرب كصمود إرادات تكسر تفوق القدرات*
أحد أهم استنتاجات هذه القراءة هو أن الحروب الحديثة لم تعد تُحسم فقط بفارق التكنولوجيا، بل بـ:القدرة على التحمّل وإدارة الوقت وامتصاص الضربات والاحتفاظ بالقدرة على المبادرة والسيطرة النارية رغم التدمير.
وهنا يظهر الفارق بين نموذجين،
نموذج يسعى للحسم السريع ويتعثر ويفقد استراتيجيته إذا طال أمد الحرب.
ونموذج يبني استراتيجيته على طول النفس متسلحا بالعقيدة والإيمان على أرضه.
وبالتالي إن ترك الخصم يغرق في حرب طويلة يكون بحد ذاته استراتيجية نصر.
وبعيدًا عن الأرقام، يكمن أحد أخطر تحولات هذه الحرب  في المجال النفسي
من حيث تآكل صورة “الجيش الذي لا يُقهر” تصاعد الثقة لدى القوى غير التقليدية بقدرتها على الدفاع عن نفسها وفرض سيادتها والتحرك خارج حبل مشنقة الحماية الأمريكية والتحالفات التي تفرضها. وعلى التوازي انتقال الخوف من طرف إلى آخر الطرف الذي ادعى طويلا أنه صاحب أقوى جيش في العالم ولكنه تلقى ضربة هزت بنيته وصورته إلى الأبد.
في هذا السياق، تصبح كل خسارة عند الأمريكي والإسرائيلي حتى لو جزءًا من عملية تراكمية لتفكيك الردع
وهو ما قد يفسر لماذا تركز الخطابات لنتنياهو ترامب على “الإنجازات النوعية” أكثر من النتائج الشاملة.

*سادسًا: حرب وجود بلا انتصار حاسم إعادة إنتاج النموذج المضطرب بآخر رديء*
لا يمكن فهم مسار الحرب ضمن ثنائية النصر والهزيمة بالمعنى التقليدي، رغم ذهابه إلى توصيف ما يجري كهزيمة لـ الولايات المتحدة وإسرائيل، وانتصار لا زال جزئي لـ إيران وحلفائها؛ إذ إن الوقائع، كما نطرحها، تشير إلى غياب الحسم النهائي  خاصة مع استمرار القدرة القتالية لدى مختلف الأطراف، ما يعني أن الصراع دخل طورًا أكثر تعقيدًا يتجاوز منطق المعارك إلى إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية نفسها. وضمن هذا الإطار، فالربط بين هذه الحرب وسلسلة تحولات أوسع تمتد من أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، في سياق صعود قوى دولية جديدة وتآكل مركزية الهيمنة الغربية، معتبرًا أن ما يجري ليس إلا حلقة في عملية تفكيك تدريجي للنظام الأحادي القطبية الذي قادته واشنطن لعقود. غير أن هذا التفكك، في تصوره، لا يقود بالضرورة إلى ولادة سريعة لنظام متعدد الأقطاب مستقر، بل يفتح الباب أمام مرحلة انتقالية مضطربة، تتسم بسيولة استراتيجية عالية وتداخل ساحات الصراع، حيث يتعايش تراجع القديم مع عدم اكتمال الجديد، ما يجعل العالم أقرب إلى حالة “إعادة تشكّل بالقوة” منه إلى توازن نهائي مستقر.

في المحصلة، لا يمكن قراءة ما يجري كحرب عابرة أو مواجهة قابلة للإغلاق بتسوية تقليدية، بل كمنعطف تاريخي يعيد صياغة العلاقة بين القوة والسيادة والقرار. فالتطورات التي أشرنا إليها  من تآكل التفوق الجوي، إلى تعثر الحسم البري، إلى إعادة تعريف الممرات الاستراتيجية تدل على أن أدوات الهيمنة القديمة لم تعد كافية لضبط العالم كما كان في السابق. ومع ذلك، فإن هذا التحول لا يعني أن ميزان القوة انقلب بشكل نهائي، بل إننا أمام مرحلة انتقالية مفتوحة، تتداخل فيها عناصر القوة الصاعدة مع بقايا النظام المتراجع.
وعليه، فإن جوهر الصراع لم يعد يدور حول من يربح معركة هنا أو يخسر هناك، بل حول من يمتلك القدرة على الصمود، وإدارة الزمن، وتحمّل كلفة التحول حتى نهايته. فالعالم، كما يبدو، لا ينتقل من نظام إلى آخر بسلاسة، بل عبر صدمات متتالية تُعيد توزيع القوة وتكسر اليقينيات. وبينما تتآكل أسس الأحادية القطبية، لم يتبلور بعد بديل مستقر، ما يضع البشرية أمام مرحلة من السيولة الاستراتيجية، حيث يصبح كل إنجاز ميداني جزءًا من معركة أكبر: معركة تشكيل العالم الجديد القادم.

🖊 ميخائيل عوض

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى