كتاب وشعراء

هندسة الكلمات ….بقلم فاطمة الحوسنية

الكلمة ضريبة يدفعها الكاتب من روحه قبل أن يجرؤ على نطقها.. ما نراه اليوم  على الساحة الأدبية  والثقافية ما هو إلا هندسة لغوية باردة تكتال من الضوء نصيبها .. فالفرق بين الكلمة الحقيقية والكلمة المصنوعة هو الفرق بين من يصف النار ومن تحرقه أصابعه فيصرخ..نحن لا نحتاج إلى لغة أنيقة بقدر ما نحتاج إلى كلمات لها ملامح المثقلين ،و لها  تاريخ الضمير الحي،تحمل أوجاع البائسين ، تصف الحق بالحق والباطل بالباطل ، تتطلب العدالة بصوت المظلوم لا بالتزلف للظالم ..
إن الكلمة التي لا تنزف جراحها ، كلمة يتعثر صدقها، مهما بلغت أناقتها واتساقها ومرونتها اللغوية. فليست البلاغة في حسن الترتيب وحده ، بل في ذلك الإرتجاف الخفي الذي يسكن بين الحروف ، في الصدق الذي لا يُقال مباشرة  ، بل يُستشعر كحرارةٍ باقية على أطراف الكلمات. فالكاتب الحقيقي لا يصنع نصوصه ببرودة الحِرَفّي المتمكّن، بل يسكبها كما تُسكب الإعترافات في لحظة انكسارٍ لا تحتمل التجمّل.. 
نحن لا نحتاج إلى نصوصٍ تُبهرنا بقدر ما نحتاج إلى نصوصٍ تُوقظنا، تُربك يقيننا، وتُعيد تشكيل الوعي لدينا بما يشبه الصدمة النبيلة. الكلمة التي لا تغيّر فينا شيئًا، هي كلمة لم تكتمل بعد، أو كاتب لم يكتمل إحتراقه بعد ، فالنص الذي لا يمرّ عبر التجربة، يظلّ ناقص النبض، كجسدٍ بلا ذاكرة.
ولأن العالم صار مزدحمًا بالأصوات، فإن الصدق وحده ما يمنح الصوت فرادته. ليست القضية أن تقول الكثير، بل أن تقول ما لا يستطيع غيرك قوله، لأنك وحدك واجهة قدره وعصفت بك رياحه السموم ودفعت ثمنه من لياليك، ومن ذلك الجزء الخفي فيك الذي لا يُرى. الكلمة التي تُكتب من ظاهر القول ، تُنسى سريعًا، أما تلك التي تخرج من الداخل المنهك بالتجارب ، فتبقى، لأنها لا تُقرأ فقط، بل تُلمس بفيضٍ من الإحساس .
ليس الكاتب من يُحسن ترتيب الكلمات، بل من يعرف متى يصمت، ومتى يترك للكلمة أن تولد من جرحها، لا من مهارتها. فالكلمات التي لا تحمل صاحبها، لن تحمل أحدًا على محمل المعنى..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى