
بروح منهكة تمددتُ أمامه ؛ اقتربَ من رأسي وهو يحمل نوتة دوَّن فيها اسمي وعمري ووظيفتي .
بابتسامة باهتة : خير ؟
قلت متأوها :هذا الحلم الذي أقض مضجعي كاد يصيبني بالجنون ” أرى قملا يتحرك جماعيا عابرا رقبتي لصدري‘ فإذا وصل صدري أخذ ينقب محاولا اقتحام قلبي ، أقوم مفزوعا ، أهرول صوب التسريحة ، أمسك بفلاية زوجتي ، أكِدُ بها شعري ضاغطا بكلتا يديّ ‘ فلا أترك رأسي إلا وقد أدميتها ولا تنزل قملة واحدة ؛ أعاود النوم ليتجمع القمل ثانية محاولا اختراق قلبي ؛ قررت حلق شعري على ” الزيرو” ؛ عدت للبيت ممنيا نفسي بنوم سعيد ، وما إن استغرقت في النوم حتى استطال شعري وخرجتْ منه جحافل القمل في طريقها لغزو صدري .
ازدادت ابتسامته الباهتة اتساعا ، أعطاني” روشتة” ؛ طمأنني : التزم بالعلاج وستكون بخير .
تناولت جرعتي ؛ نمتُ عميقا كما لم أنم من قبل ، استيقظت لأجد زوجتي قد أعدّت الفطور ، ذراع زوجة المقاول الساكن بالشقة المقابلة لنا ، و قد قطعته ” طرنشات ” وقد تفننت في تتبيله ، أصابني الرعب وما زاد من جنوني أنها لم تكلف نفسها وتنزع عنه الأساور الذهبية التي تغطيه من الرسغ إلى المرفق .
هرولت لعملي فوجدت المدير يتناول رأس زميلي في العمل وقد قطعها “طرنشات ” وتفنن في تتبيلها ولم يكلف نفسه وينزع عنها تلك النظارة السميكة ! حين رآني ابتسم قائلا : حماتك بتحبك .. تفضل ..
لم أحتمل رؤية الدم يسيل من فيه ،هرولت صوب عيادة الطبيب الذي طمأنني أني سأكون بخير بعد تغيير الدواء .
تناولت الدواء ، هدأت نفسي ، نمتُ عميقا ، استيقظت متهللا ، تناولت فطوري بشهية ارتديت ملابسي ، شرعت في تصفيف شعري ، شيء ما ناتئ قليلا برأسي ، لابأس ، غطيته بشعري .
برقة مصحوبة بغنج طلبت زوجتي أن أذهب بها للتسوق ، رحبت بابتسامة رقيقة ، انتظرت ساعات بالسيارة حتى أنهت رحلة تسوقها وبرفقتها ابني ، في طريق عودتنا اختناق مروري والطريق فردي ولجنة مرورية تتفحص الرخص والأوراق الثبوتية ، طال وقوفنا والابتسامة لا تفارق وجهي .
السيارة المقابلة لنا يقودها رجل بدين يجلس بجواره ابنه وبالخلف تجلس زوجته المنتقبة ، ترسل نحوي نظرات مريبة ، فتحت عباءتها التي لا ترتدي أسفلها شيء ثم أعادت إغلاقها مسرعة ، تعاود الغلق والفتح بلذة وغرابة . اصطدمت عيناي بعيني زوجها الذي ينظر صوب سيارتي بابتسامة بلهاء ! ما هذا الديوث ؟ وعلام يضحك صاحب القرون الطويلة؟ نظرت للخلف بالمرآة لأجد زوجتي تفتح العباءة وتغلقها ، استدرت في جنون لأجدها بكامل حشمتها والمصحف بيدها .
عاودت النظر في المرآة شيء ما يعلو رأسي ، وجدتُ الشيء الناتئ استحال قرنين طويلين ، أصابني ذهول ، أفقت على صوت الضابط يطلب رخصي وأوراقي ، تحسست جيوبي لم أجد حافظتي ، ابتسم الضابط الذي انحنى حتى صارت رأسه بداخل السيارة ، قال في وداعة ورقة ” ولا يهمك يا باشا حصل خير كلنا ننسى؛ وأشار لي بالعبور دون أن يحرر أي مخالفة .
فور عودتي ألقيت بالأدوية في سلة المهملات ، توقفت عن زيارة الطبيب ، عاودني كابوس القمل ، تفتق ذهني عن فكرة مريحة : أن أشتري غراء وأجمع هذا القمل بدفتر كبير فيبدو بعد لصقه وكأنه كتابة ، تعايشت وقملي في سعادة ، ذات صباح وجدت زوجتي تقطع وريقات دفتري لتلف بها “ساندويتشات ” الأولاد وهم ذهاب للمدرسة ، صرخت فيها ألا ترين ما بها ؟ نظرت نحوي في دهشة وهي تقلب الدفتر في ذهول : هذه أوراق فارغة .