
هل التاريخ يعاقب؟ الدول العربية التي شاركت في حرق دول الجيران العرب ومولت الارهاب تحترق اليوم في حرب ايران. التاريخ لا يملك الوعي لكي يعاقب لكن هناك القوانين والسنن وسوء التقدير وغياب الرؤية للمستقبل.
النار التي اشتعلت في دول عربية وتسليح منظمات ارهابية وخلق الفوضى ودعم النزعات الطائفية والقبلية و” التهاوش على الفريسة” كان من الطبيعي أن تنتقل يوما الى المشعلين لأن رياح السياسة قد تهب من الفراغ الذي يصنعه الحريق كما حدث في العراق وسوريا وليبيا واليمن والسودان وكانت النتائج جعل المنطقة بأكملها ساحة حرب تتحكم بها قوى دولية منتفعة من الحرائق في أي مكان اشتعلت.
بعد كل خراب يتردد مفهوم” اعادة الاعمار” وتتنافس الشركات العالمية الرأسمالية على من يمتلك الحق في اعادة بناء هذا الجسر او محطة الطاقة تلك وهو المفهوم الذي أطلقت عليه نعومي كلاين” عقيدة الصدمة: رأسمالية الكوارث” سواء كانت الكوارث طبيعية أو حربية أو سياسية.
مشعلو الحرائق الذين أسسوا كيانات ارهابية لتحل محل دكتاتوريات يدفعون الثمن ليس من عقاب التاريخ وليس من انقلاب السحر على الساحر بل بسبب العمى السياسي والاخلاقي والثقافي في ان الفراغ الناتج عن الحريق يخلق الفراغ الذي سيكون ساحة سباق للسيطرة عليه من الجيران المهددين لان الشرق الأوسط محطة وقود قابلة للاشتعال لأنها تختزن رغم القمع والخوف كل تناقضات وضغائن التاريخ وعوامل الصراع تحت الرماد.
من أشعل النيران في بيوت الجيران لم يخلق نظما ديمقراطية لأنها غير موجودة في بلده في الأصل بل أشعلها لكي يحول تلك الدول كمثال في الخراب مقابل الدول الآمنة والمستقرة حتى لو كان هذا” الاستقرار” مبنياً على العطايا واقتصاد ريعي وشراء الصمت مقابل المكرمة والقروض على طريقة من لحم ثوره وطعمه.
هل ستتعلم هذه الدول من سياسة اشعال الحريق في بيوت الجيران وتحويل شعوبها المسالمة الى قطعان هائمة في الجبال والسهول والبحار تبحث عن مأوى كطرايد؟
الجواب بكل يقين: لا. بنية هذه النظم القبلية وتبعيتها وتاريخها و اغراء تراكم الثروة وفقدانها للشرعية السياسية في قيادة السلطة والقواعد الاجنبية لا يسمح لها بالمراجعة حتى لو ظهرت بعض الصيحات الغاضبة هنا وهناك.
هذه النظم او الكيانات لا تتعلم من التجارب أبداً ولا حتى من الكوارث بل في انتظارها مهما طال الزمن عقاب التاريخ لكي تتآكل من الداخل عندما يحاصرها هاجس الأمن والخوف من النخبة ومن تعدد مراكز القيادة ومن صراع العوائل مما يدفعها للتوحش أكثر والعسكرة والاستخبارات وهذا هو الانتحار الاستراتيجي.