
في صيف عام 1250، وتحديدًا في الثالث من يوليو، تلقى لويس التاسع ملك فرنسا درسًا قاسيًا لم يكن يتخيله في أسوأ كوابيسه.
كان الملك الفرنسي، الذي جاء يحمل راية الصليب ويحلم بفتح مصر، يقف الآن أسيرًا بين يدي جنود الأيوبيين والمماليك. نقلوه إلى دار ابن لقمان في قلب المنصورة، ذلك البيت المصري البسيط ذو الجدران الطينية، حيث قضى شهرًا كاملاً يتجرع مرارة الهزيمة والإذلال، بعيدًا عن تيجان الذهب وقصور باريس.
ولد لويس في 25 أبريل 1214 في مدينة بواسي بفرنسا. لم يكن عمره يتجاوز الثانية عشرة عندما توفي والده لويس الثامن، فتولت والدته بلانش القشتالية الوصاية على العرش. كانت تلك السنوات صعبة، إذ اضطرت الأم الشجاعة إلى قمع تمردات النبلاء وإخماد الثورات في الجنوب. وعندما بلغ لويس سن الرشد، ورث مملكة مستقرة نسبيًا، لكنه لم يهتم كثيرًا بتعزيز قوتها الداخلية. كان هوسه الديني يسيطر عليه تمامًا.
كان يُظهر تقوى مبالغًا فيها: يتصدق على الفقراء، يصوم كثيرًا، يجلد نفسه أسبوعيًا، ويبني الكنائس والأديرة بلا توقف. اشترى آثارًا مقدسة بأثمان باهظة، ووضعها في مصلى سانت تشابيل الرائع بباريس. وفي الشؤون الخارجية، نجح في توقيع معاهدة سلام مع إنجلترا عام 1259، لكن ذلك لم يشبع طموحه العسكري الديني.
الحملة الصليبية السابعة.. مغامرة تحولت إلى كابوس
في ديسمبر 1244، أصيب لويس بمرض خطير، فأقسم أنه إذا شفي فسوف يقود حملة صليبية مقدسة. وفي أغسطس 1248، انطلق على رأس أسطول هائل يضم حوالي 35 ألف مقاتل. هدفه كان واضحًا: احتلال مصر أولاً، ثم استخدامها كورقة ضغط لاستعادة القدس.
هبط جيشه في دمياط في يونيو 1249، ودخل المدينة بسهولة نسبية بعد انسحاب الجيش الأيوبي. لكن الطبيعة المصرية وقفت في وجهه. فيضان النيل حال دون تقدمه، فاضطر للانتظار أشهرًا طويلة. وعندما حاول أخيرًا الزحف نحو المنصورة، وقعت معركة المنصورة الشهيرة في 11 فبراير 1250، والتي انتهت بهزيمة ساحقة للصليبيين وقتل شقيقه روبرت أرتوا.
تفشت المجاعة والأمراض في صفوف الجيش المنهار. وبدلًا من الانسحاب المنظم، أصر لويس على قرارات متعجلة أدت إلى كارثة أكبر. في 3 يوليو 1250، دارت معركة فارسكور، وانهزم الصليبيون انهزامًا مدويًا. وقع لويس التاسع نفسه أسيرًا، ونُقل إلى دار ابن لقمان في المنصورة.
بعد مفاوضات شاقة، أُطلق سراحه مقابل فدية هائلة بلغت 800 ألف دينار ذهبي (دفع نصفها فورًا)، وتسليم مدينة دمياط، وتعهد بعدم مهاجمة مصر مرة أخرى، بالإضافة إلى هدنة لمدة عشر سنوات. كان ذلك إذلالًا كبيرًا لملك فرنسا الذي جاء فاتحًا وعاد مهزومًا يدفع الثمن غاليًا.
بقي لويس أربع سنوات في الشام يحاول ترميم ما تبقى من الحصون الصليبية، لكنه لم يحقق شيئًا يُذكر. عاد إلى فرنسا عام 1254 بعد وفاة والدته.
الحملة الثامنة.. نهاية مأساوية
لم يتعلم الملك من هزيمته الأولى. في عام 1270، أطلق حملة صليبية أخرى (الثامنة)، متجهًا هذه المرة إلى تونس، آملاً أن ينطلق منها نحو مصر مرة ثانية. وصل إلى قرطاج وحاصر تونس، لكن الجيش سرعان ما عانى من نقص المياه وانتشار مرض التيفوس بشدة.
في 25 أغسطس 1270، توفي لويس التاسع أمام أسوار تونس، مصابًا بالمرض نفسه الذي أنهك جنوده. انتهت الحملة بفشل ذريع، وانسحب الصليبيون بعد اتفاق تجاري مع الحفصيين، تاركين وراءهم آلاف القتلى والمرضى.
رغم أن الكنيسة أعلنته قديسًا عام 1297 بسبب تقواه الظاهرية، إلا أن لويس التاسع يبقى في التاريخ مثالًا حيًا للملك الذي أهدر موارد مملكته وأرواح رعاياه في مغامرات صليبية فاشلة. قاد حملتين كبيرتين انتهتا بهزائم مذلة: أُسر في مصر، ومات في تونس دون أن يحقق أي نصر حقيقي.
كان يُظهر الإحسان والتقوى داخليًا، لكنه في الخارج كان قائدًا متعجلاً وعنيدًا، أدى بهوسه الديني إلى كارثتين متتاليتين