كتاب وشعراء

فستان الدانتيل… بقلم غرام الجرموزي

حين كنتُ في الثامنة
كنتُ أظنّ أن الأنوثة لعبةٌ خفيفة،
شيئًا يشبه الحب حين يلمس الكتفين.

كان شعري الاسود القصير
يصل الى كتفي كاعتذار قصير،
وكنتُ أحبّ الفساتين
كما تحبّ الطيور أجنحتها،
وأكره الجينز
وكأنّه قيدٌ يُربَط حول ركبتيّ.

لم أفهم يومها أنني كنتُ أدافع عن حقي
في أن أكون أنا.

أتذكّر ذلك الفستان الوردي،
قصيرًا قليلًا،
من دانتيلٍ يشبه الغيوم.
عشرون عامًا
وهو ما يزال معلّقًا في ذاكرتي
كصورةٍ لم تُحمَّض بعد.

أمي كانت منشغلةً بصديقاتها،
والبيت مفتوحٌ على غفلة.
لبسته خلسةً،
كما تُرتكب الخطايا الصغيرة،
وخرجت أشتري حلوى
بقطعٍ نقديةٍ لا تكفي
إلا لتسمية الرغبة “مفضّلة”.

كنتُ أمشي
وأحمل في صدري محكمةً كاملة:
القاضي، والجلاد،
وصفعةً أُدرّب وجهي على استقبالها.
كنتُ أهيّئ جسدي للكمات،
وأقنع نفسي
أن عشر دقائق من الدانتيل الوردي
تستحقّ الألم.

عند البقالة
وقف رجلٌ يحمل كاميرا،
نظر إليّ
كأنني مشهدٌ جاهزٌ للتأطير.

طلب صورة.

طفلة في الثامنة،
فستان دانتيل وردي،
قطعة حلوى في اليد اليمنى،
وقلبٌ يتعلّم الخوف مبكرًا.

ابتسمتُ.
ليس لأنني شجاعة،
بل لأن الأطفال
لا يعرفون كيف يرفضون الكبار.

قال: تبدين مذهلة.
وغادر
كما يغادر الغرباء
بعد أن يأخذوا شيئًا لا نعرف اسمه.

عدتُ إلى البيت
أحمل ذنبين:
ذنب الفستان،
وذنب الصورة.

صرخت أمي،
شدّت شعري
كما لو أنها تنتزع الفكرة نفسها من رأسي،
ومزّقت الدانتيل عن جسدي
كأنه خطيئةٌ ملموسة.

بقيتُ واقفة.
لا أبكي.
لا أتكلم.
أحدّق في اللاشيء،
وأفكر فقط:

كيف بدوتُ في الصورة؟
هل كانت ابتسامتي حقيقية؟
أم كانت خوفًا
يتظاهر بأنه فرح؟

واليوم ما زلت ابحث عن فستان دانتيل وردي باكمام طويلة
لعيد ميلادي الثلاثون

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى