
السلام عليكم
23- ” إِيدِ الْمُوَزِّعْ فِي النَّارْ , وإِنْ عَدَلِتْ ” .
• مَضْربُه : يُضرَبُ هذا المثلُ في صعوبة تحقيق العدالة في توزيع الأنصبة مع توقع معاقبة الموزعين بدخول النار وإن كانوا عادلين .
• مَا يُؤْخَذُ عَلَيْه : يُؤخَذُ على هذا المثل أنه ( مغلوط عقديًّا ) حيث يجعل قائله ، وناقله من الآثمين ؛ فهو يدعي كذبًا وزورًا و بهتانًا ورجمًا بالغيب أن القائمين على توزيع الأنصبة من الحقوق ، والمساعدات على أصحابها ، ومستحقيها , المتمثلين في نقباء الجمعيات الخيرية والمسؤلين عليها سيدخلون النار يوم القيامة ، وإن كانوا عادلين ظنًا منه أنه من الصعوبة بمكان أن يصل هؤلاء إلى درجة العدل القصوى بين الناس ؛ فقد تسيطر الأهواء عليهم ، وتتعالى المجاملات لديهم ، أو تخونهم أيديهم عند التوزيع ؛ فتتناثر الأنصبة منها هنا وهناك على أشكال مختلفة ، وأحجام متباينة دون عدل أو مساواة .
– وبهذا الحكم القائم على الظن والافتراض ، والذي لا دليل عليه من الكتاب والسنة ، بل والمخالف لهما شكلًا ومضمونًا فإن هذا المثل يدعو إلى إحجام هؤلاء الموزعين وغيرهم عن هذه المهمة الإنسانية في مجال التكافل الاجتماعي خوفًا من السقوط في الزلل ، وعدم تحقيق العدل والمساولة بين الناس ، والمعاقبة على ذلك بدخول النار مما يترتب عليه خلو المجتمع من العاملين في هذا المجال ، والقائمين عليه بلا مال ، فتسيطر الأنانية على بعض أفراد المجتمع ذوي الشأن ، والمجردين من الاحساس بالفقراء والمساكين ، فتجثو الأطماع على قلوبهم ، وتتوغل الأحقاد في نفوسهم ، وتنتشر الفوضى بينهم حيث يسعى كل منهم جاهدًا للحصول على كل المقدرات ، وكل الأنصبة التي ليست له ليكون الأكبر والأكثر والأعلى بين الناس ؛ فقد خلا هذا المجال لهم , وظنوا أنه لا يقوم إلا بهم .
– فالعدل إذن هو السبيل الوحيد لاستقرار المجتمع ، والقائمون على توزيع الأنصبة ، وتسليم الحقوق ، والمساعدات على أصحابها ، ومستحقيها في المواسم المختلفة ، والمناسبات الدينية المتعددة وهم مجتهدون في ذلك عادلون على قدر طاقتهم البشرية ، وحسبما تراه ضمارهم النقية ، غير مخالفين شريعتنا الإسلامية ، ولابد لنا منهم ، ولا نفرط فيهم قيد أنملة ، وعلينا نحن – رفقاء الدرب من المثقفين والنابهين – أن نبشرهم بالثواب العظيم من رب العالمين ، ونشجعهم على فعل الخير ، والاستمرار فيه ، ونساعدهم عليه ، وندعو لهم بالصلاح والفلاح ، ونذكرهم بقوله تعالى : ” وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ” ( النساء : 58 ) ، و قوله تعالى : ” وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ” ( المائدة : 8 ) ، ونؤكد لهم أن العادلين المتقين سيدخلون الجنة – إن شاء الله – وأن الظالمين الجاحدين سيدخلون النار – وليعاذ بالله – فالرسول – صلى الله عليه وسلم – يقول : ” أهل الجنة ثلاثة : ذو سلطان مقسط متصدق موفق ، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ، ومسلم عفيف متعفف ذو عيال ” ( رواه مسلم ) ، ومن السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : ” إمام عادل ” كما في الصحيحين ، والإمام المقسط على يمين الرحمن في منابر النور يوم القيامة فقد قال الرسول – صلى الله عليه وسلم – : ” إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن – عز وجل – الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا ” ( رواه مسلم )
– وأما الظالمون فسوف يعذبون عذابين : عذابًا في الدنيا ، وعذابًا في الآخرة ؛ فالله تعالى يقول : ” قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا ” ( الكهف : 87 ) , ويقول عزَّ وجل : ” إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ “( الشورى : 42 )
• وتصويبُ المثل أن نقول : ” إِيدِ الْمُوَزِّعْ فِي النَّارْ إِنْ ظَلَمِتْ , وِفِي الْجَنَّةْ إِنْ عَدَلِتْ ” .