كتاب وشعراء

حياتنا بين الأبيض والأسود….بقلم نهي الفخراني

في الحياة، بين كل شيء ونقيضه مسافة؛ فما بين الموت والحياة مسافة، وما بين الشروق والغروب مسافة، وما بين الحب والكره مسافة، وما بين الصداقة والعداوة مسافة، وما بين الأبيض والأسود مسافة، وما بين التعقل والرعونة مسافة، وبين المكسب والخسارة مسافة.

هذه المسافات تمنح الإنسان قدرًا من الأمان في التعامل مع الحياة والناس، كما تمنح قدرًا من التفهم لطبيعة البشر وتقلباتهم؛ فلا شيء يدوم على حال. وقد عبّر عن هذا المعنى ما يُنسب إلى الإمام علي -رضي الله عنه- حين قال: “أحبب حبيبك هونًا ما، عسى أن يكون بغيضك يومًا ما”. فلا ينبغي أن يكون الحب مفرطًا، ولا الكره مفرطًا، بل تبقى مساحة في المنتصف تُسهِّل التعايش وتخفف الصدمات.

غير أن كثيرًا من الناس يتعاملون مع الحياة بمنطق طرفي النقيض: حب كامل أو كره كامل، أبيض أو أسود، صديق أو عدو، مكسب أو خسارة! بينما الحقيقة أن الحياة نادرًا ما تكون بهذه الحدة؛ فليس كل من نختلف معه عدوًا، وليس كل من نقترب منه صديقًا خالصًا. وكما أن السكوت ليس دائمًا علامة رضا، فهو ليس بالضرورة علامة رفض، بل قد يكون مساحة للتعايش، أو نوعًا من القبول، أو حكمة في إدارة المواقف.

الإنسان الذي يصرّ على رؤية الأمور بمنطق “الأبيض أو الأسود” لا يؤذي الآخرين فحسب، بل يؤذي نفسه أولًا؛ لأنه يحرمها من فهم طبيعة الحياة المعقدة التي لا تقبل التعامل معها بهذه النظرة الصلبة. فقد لا يكون الشخص “أبيض” خالصًا، لكنه أيضًا ليس “أسود”، وقد لا يكون صديقًا كاملًا، لكنه ليس عدوًا بالضرورة.

إن التشبث بطرفي النقيض ليس ذكاءً ولا دليل براءة كما يظن البعض، بل قد يكون علامة على جمود فكري وافتقار إلى الذكاء الاجتماعي، وربما انعكاسًا لمعاناة نفسية لم يدركها صاحبها بعد؛ لأنه لم يختبر قيمة التوسط ومرونة المسافة.

وتخيّل معي لو أن الله يتعامل معنا بمنطقٍ حاد! إما عبدٌ مقبول تمامًا أو مرفوض تمامًا، وكأن الإنسان خُلق في قالبٍ ثابت لا يتغير. لكن رحمة الله أوسع من ذلك بكثير؛ فقد جعل للإنسان مساحة يتحرك فيها بين القرب والبعد، وبين زيادة الإيمان وفتوره، فنظل نتأرجح في هذه المسافة التي تهذبنا وتدفعنا لمحاولة الوصول إلى التوازن النفسي والروحي.

ومِن هدي النبي ﷺ نفهم قيمة الاعتدال؛ إذ قال: “أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ” (رواه البخاري ومسلم). هذا الحديث يؤكد أن العمل المتوازن المستمر أفضل من التطرف والاندفاع المفاجئ، فالاعتدال يضمن الاستدامة ويصون النفس من الإرهاق.

وإذا كانت العلاقة بين العبد وربه تتسم بالصعود والهبوط رغم حاجتنا المطلقة للخالق، فكيف بعلاقاتنا مع البشر؟ وهم الأكثر تقلبًا وضعفًا. لذا فإن إدراك “المسافة الوسطى” ضرورة لحماية النفس وتحقيق التعايش الهادئ.

عليه، ينبغي ألا نبالغ في التعبير عن القبول، بقدر ما ينبغي أن نكون مرنين في مواجهة الخلافات؛ فما يناسبك قد لا يناسبني، والمهم هو التعامل في “المنطقة الرمادية”. فالتوازن يحمينا من الصدمات ويجعلنا أكثر قدرة على العيش بسلام داخلي.

إن وجود هذه المسافة هو الذي يقينا من خيبات الأمل؛ لأن من يرفع سقف توقعاته إلى حد المثالية، سرعان ما يرتد إلى الطرف الآخر (السواد الكامل والتشاؤم) عند أول إخفاق. أما من يدرك المسافة بين النقيضين، فإنه يعيش بوعي أكبر؛ لأن الحقيقة ليست أبيض خالصًا ولا أسود خالصًا، بل مساحة بينهما تسمح لنا بالحركة دون أن نفقد توازننا.

لهذا.. هي دعوة لتعيش الحياة “بين” الأبيض والأسود

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى