
اكتفِ بما في يديك،
فما بعد الآن… أقلّ من القليل.
إن نظرتَ إلى الساعة،
ستدرك أن الزمن لا يهديك ظلًا ولا عطفًا،
ولا يترك إلا فجواتٍ غريبةَ الأعماق لا تُملأ.
تجرّ بقدميك،
وتنتهي في فسحة،
ليس فيها مزهريةُ وردٍ فَوّاح،
ولا عنقودُ عنب،
بل خُيِّل إليك أنها صمتٌ ينتظر
ميلادًا لن يولد.
أنت لستَ عشبًا،
حتى لمراعي الشوك،
ستقف وحدك—
لم يمسك بك أحد،
حرًّا طليقًا،
تبحث عمّن يمسك يدك.
ولا حتى في مناجاة الفراغ الهابط تحت الكهوف،
أنت أشبَهُ بغرق—من ينقذك؟
يحركونك مثل سواقي الحمم،
تحرق، وأنت محروق،
وألمُك أعفّ من العدم.
أبحرتَ في بحرٍ لا تُدرَك شواطئه،
أسمعوك أن البحر وعاءٌ
تحيط بنهاياته أشجارُ البهجة،
وأفقٌ يصلّي من فرحه.
حتى لو جمعتَ محارًا لا يفتح ليموت،
كلّ ما ألمّ بك
كان ينتظرك في الزوايا،
كأنك تسير إليه، لا منه،
وأنت صفير أذنك وقت الازدحام.
لا تخشَ ازدحام الطيور،
اخشَ تلك الفكرة التي تشدّك وأنت مقيّد.
لم تكن محاربًا وحاربوك،
لم تكن مشرّدًا فشرّدوك،
لم تكن طمّاعًا، فقالوا:
خبزك هدرُ قمحنا… وجوّعوك.
لستَ أغلى من خطّةٍ تذيبك في متاهاتهم،
بدايتها أملٌ يلوح لك في النهاية،
ونهايتها انتظارُ الأمل
الذي كنت تظنه شيئًا
سيصبح وردًا يميّزك
بين جذور الجفاف.
اعذرني في قسوتي،
فهمتك وفهمتهم،
فماذا لديك لتكتفي؟
بستانٌ فيه نبعُ ذهبٍ،
أم لآلئ تتمدّح جبينك بتاج؟
مستحيل أن تبلغ البهجة في مجرى السيل،
وكأنك خارج اللعبة،
واللعبة أنت.
كلّ الأوهام جلبوها إليك،
ترتّبها أنت بنفسك،
وتمنحها أسماء:
صبرٌ، ثقةٌ، أملٌ، وإرادة،
وتقول إن فشل الكلام يبقى الحلم.
كلّنا يتكرّر في ميلاده وموته،
ونحن نملك العقل، ونخطئ في الصواب.
نحتال على اليقظة بالغفوة،
ونرى في الغفوة هروبًا مشروعًا.
لماذا نفكّر، ونحن أرجوحةٌ معلّقة بلا ثبات؟
والشر يهبط إلى الأسفل،
ويصعد ليرينا تحطّم الأسرار، ولا نرى.
في تلافيف فكرنا، نظن أن لنا عنوانًا في النهاية،
يتلوّى ونحن نحسن في الضياع.
نفكّر…
كأننا نحفر في طينٍ،
وكلما ارتفعنا، التصق بنا أكثر.
أوانٍ من فخّار،
ستجعل من الطين ذكرى.
نبحَ علينا كلبٌ أفطن من الخطيئة،
يمارس عفّته
ليقتل ما يجعله يفكّر خارج الغريزة.
تابع نباحه خلفنا،
ومضى تقوده الغريزة للفسحة.
أثور على نفسي، وأنا أملك كلمتين،
ولا أجد من يلتقط واحدة
لأدفع بالثانية.
ولم أعد أثق أن الأشكال الهندسية
توازي ما نخفيه:
مربّعٌ للفضيلة،
ودائرةٌ لترتيب المشاعر.
أمدّ يدي لكرةٍ، فلا أجد إلا فوضى
تعيد ترتيب قلبي
من شكلِ تفاحةٍ
إلى عشّ نحلٍ
معلّقٍ على غصنٍ بريءٍ من طعم السكر.
نحن خليط نقبله وننكره،
شيءٌ مرّ،
يتسرّب بصمت،
كلما حاولنا أن نبدو أنقى.
نشقى لننقى،
أم ننقى ونكون الشقاء؟
انظروا إلى مسيرة الواحد منا:
أربع حروب،
حصّتنا في عيشه الضنك.
الميلاد رقم،
والموت رقم،
وبينهما نحاول أن نثبت أننا كنّا هنا،
ولم نعد ندرك البقاء.
هل آن الأوان أن نكتفي بما في أيدينا؟
فليكن عصًا…
أو قلمًا،
ووعدًا منا لنا.
– دريسدن | 08.04.2026