كتاب وشعراء

الهامش… بقلم غرام الجرموزي

كبرتُ وأنا أمشي في البيت كظل لا يُلقيه ضوء.
لم أكن الابنة المفضّلة، كنت الهامش المكتوب بخط باهت أسفل الصفحة، بينما كان أخي العنوان العريض لأن اسمه مذكّر.

كنتُ أظنّ أن المثالية سلّمٌ يصلني إلى قلب أبي،
فصرتُ أرتّب علاماتي كما تُرتَّب الأوسمة على صدر الجندي،
أسبق أخي في المدرسة،
وأعود إلى البيت بلا تصفيق.
“فليس الذكر كالأنثى”…
هكذا كانت الجملة تسقط على رأسي كختم رسميٍّ لا يقبل الطعن.

حكوا لي أن مجيئي كان خبرًا مؤجّل الفرح،
أن أبي لم يُرِد أن تُطرق بابه عبارة:
“مباركٌ… رزقتَ بأنثى.”
كان ينتظر كلمة “ولد”
كأن الكون لا يكتمل إلا بنوع الجنس”ذكر” في شهادة الميلاد.

حكوا لي أنني كنت نحيلة،
أشبه بغصنٍ جفّ قبل أن يعرف الربيع،
لأن الحليب كان ترفًا لا يُشترى لأنثى،
وأن جدّي وحده كان يشتري لي العلب
حين لم يشترها لي والدي فأنا أنثى.
بينما كان أخي يكبر ممتلئًا
كقمرٍ تُسكب له كلّ الأنهار.

لم أكن أفهم القصة،
كنت أسمعها كحكايةٍ عن طفلةٍ أخرى،
لا تشبهني.
لكني كنت أنا الحكاية.

قلتُ يومًا إنه سيكون لي حسابًا بنكيًا،
وأنني سأدفع ببطاقةٍ لامعة مثل رجال الأعمال في المسلسلات.
ضحكوا…
فالأحلام حين تخرج من فم أنثى
تُعامل كطرفٍ من نكتة.

كبرتُ،
وبقيتُ غير مرئية على طاولة الطعام،
كرسيٌّ يُدفع للداخل دون أن يُلاحظ أحد غيابه.
لا أحد يسأل لماذا الحمى تزورني كثيرًا،
ولا لماذا عيوني مسهدة
كمدينةٍ لا تنام.

ثم تعبتُ من الركض.
تعبتُ من أن ألوّح بورقة العلامة الكاملة
كأنها تصريحُ عبور لقلوبهم،
توقفتُ عن المنافسة،
و عن محاولة أن أُرى.

كبر أخي…
وما زال ينتظر مصروفه اليومي
كطفلٍ لم يُفطم من ظلّ أبي.
وأنا—
الطفلة التي كانت تحلم بحبٍّ بسيط—
صرتُ امرأةً تُحيط نفسها بأربعة جدران وردية،
وببطاقةٍ بنكية
تشتري بها ما تشاء…

إلا ذلك الشعور
الذي يُشترى مرةً واحدة في العمر:
أن أكون الابنة التي يُقال عند قدومها
“جاء النور.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى