
لم تكن تخاف الظلام،بل كانت تخاف ما يقترب حين يطمئن الظلام إلى وحدتها.
فمنذ الليلة الأولى شعرتْ بلمسةٍ خفيفة على كتفها.
ظنتها نسمة أو وهماً من تعب النهار،لكن اللمسة عادت أقرب وأوضح،ثم أصبحت يدًا.
في البداية، كانت يدًا واحدة باردة كأنها خرجت من قبرٍ لم يُغلق جيدًا لتستقرّ على كتفها وتختفي.
في الليلة الثالثة، ظهرت يدٌ أخرى،ثم ثالثة ثم لم تعُد تستطيع عدّها.
كانت تستيقظ مذعورة، تلتفت حولها فلا تجد أحدًا، لكن أثر الأصابع كان يبقى مزروعًا في جلدها،كأنها تُذكّرها بنحن هنا!.
حاولت الهرب،أضاءت الأنوار فتراجعت الأيدي،لكنها لم تختفِ،كانت تتلوّى في الزوايا، تتسلل من خلف الأثاث، من بين الجدران ومن الظلال التي لا يفترض أن تتحرك.
وفي تلك الليلة بالضبط قرّرت أنْ تنظر. وقفت أمام المرآة مرتجفة.
أغلقت عينيها للحظة ثم فتحتهما ببطء.
في البداية، رأت نفسها فقط بوجهها الشاحب وعينيها الغارقتين بالخوف.
ثم بدأت الأيدي تظهر،واحدة تلامس خدها،أخرى تتسلل إلى عنقها وأخرى تعانق ذراعيها بقسوة.
لكن الأسوأ لم يكن في الأيدي،بل في انعكاس وجهها لأنها لم تكن وحدها في المرآة،فخلفها كان يقف شيءٌ بلا ملامح،جسدٌ من ظلال تتفرّع منه تلك الأيدي كأنه هو من يمسكها ويمنعها من الرحيل.
حاولت الصراخ،لكن يدًا زحفت إلى فمها من داخل المرآة.
حينها فقط فهمت جيدا أنّ الأيدي لم تأتي من الخارج بل كانت هي البوابة.
ومنذ تلك الليلة، لم يعد أحد يسمع صوتها في البيت، لكن إن مررتَ قرب غرفتها في وقتٍ متأخر قد تشعر بيدٍ خفيفة تلامس كتفك.
لا تلتفت حينها لأنها لم تعد وحدها بعد الآن.