
الغيمُ أنا..
لكنني أتعلم كلّ يومٍ
كيف أُخفي انهماري.
أحمل في صدري
وعدَ المطر وخيانةَ الحقول،
ويباسَ القصائد
التي ماتت قبل أن تجد فمًا يناديها.
أحمل إرثَ أرضٍ بعيدةٍ كجرحٍ قديم،
جرحٍ لا ينزف…
بل يعلّم الوجع كيف يُقيم.
الغيمُ أنا،..
أعرف عناقَ البروق،
ذلك الوميض الذي يفتح القلب لحظةً
ثم يتركه في العتمة أوسع،
أصعد الجبال لا شغفًا بالقمة
بل هربًا من السهول
حيث الوجوه كثيرة
والروح بلا مأوى،
في العلوّ
أضع تعبي على كتف الريح
وأصغي إلى اسمي
وهو يتلاشى،
في داخلي
تمشي خطى الرعاة
الذين علّموا الصبرَ أن يكون مهنة،
وتقيم أرواحُ العابدين
الذين عبدوا الله
بالصمت الطويل،
أنا وريثُ هذا التعب النبيل،
أحمله كوصيّة
وأمضي
وهذه الأيام..
هذه الأيام ليست زمنًا،
إنها حملي الثقيل
تمشي ببطء
كأنها تخاف أن تُوقظ فيَّ ما انكسر،
وحيدةٌ مثلي،
تحمل عني صمت الروح
حين يخونني الكلام،
وتجرُّ البلاد من أطرافها
كجسدٍ أنهكته الحروب
ولم يمت.
أنا بعيدٌ عن الناس
قريبٌ من الغياب،
أشتاق حتى للمقابر،
لا افتتانًا بالموت،
بل حنينًا لمن أحببتهم
وصاروا أسماءً تحت التراب.
أشتاق أن أجلس قرب شواهدهم،
أن أقرأ الغياب بصوتٍ منخفض،
أن أضع قلبي على الأرض
وأسمعه كيف يخفق
بأسمائهم.
في المقابر
تصير الغربة أقلّ وحشة،
لأن الموتى لا يسألون عن النجاة،
ولا يوبّخون القلب على ضعفه.
هناك فقط
أخلع أقنعتي،
أبكي كما يشاء الحزن،
وأعود إلى صورتي الأولى:
غيمًا متعبًا،
يحمل المطر في صدره
ولا يعرف
متى
وأين
يهطل.