كتاب وشعراء

على شاشةِ التلفازِ…بقلم سعيد بلو

لم يكن الخبرُ عاجلاً فقط…
كان نزيفاً مؤجَّلاً منذ سنواتٍ طويلة،
يتكرّرُ كلَّ صباحٍ
وكأنّ الطفلَ الفلسطينيَّ
تفصيلٌ في تقويمِ العالم…
“استشهادُ طفلٍ…”
ثم صمتٌ أنيقٌ
يُغلِّفُ القتلَ بعبارةٍ مهنية،
ويُغسلُ الدمُ بماءِ اللغة…
وفي زاويةِ الغرفةِ
كان طفلي يرتجفُ،
كأنّ العالمَ دخلَ صدرَهُ دفعةً واحدة.
قال:
“أين العربُ يا أبي؟
لماذا لا يصيرون صوتاً واحداً؟”
فنظرتُ إلى الخرائطِ في رأسي…
ورأيتُ أمةً كبيرةً
لكنّها تمشي بأقدامٍ متفرّقة،
وتحملُ قلباً واحداً
لكنّها تتركهُ وحيداً عند كلِّ مفترق…
عربٌ كثيرون…
لكنّهم مختلفون حتى على معنى العروبة،
يتنازعون اللغةَ
كما يتنازعُ غيرُهم الأرض،
ويختلفون على الظلِّ
في وقتٍ يحتاجُ فيه الضوءُ إلى يدٍ واحدة…
يا ولدي…
ليس الفقرُ فقط ما يقتلهم،
ولا الجغرافيا،
بل ما هو أعمق:
أنهم حين يجتمعون
يتفرّقون بسرعةِ الخوف،
وحين يصرخُ طفلٌ
يختلفون: من يسمع أولاً؟
ثم هناك العالمُ الآخر…
ذلك الذي يجلسُ بعيداً
على طاولاتٍ باردة،
يُعيدُ ترتيبَ الكلمات:
“قلق… قلق بالغ… ضرورة ضبط النفس…”
بينما النارُ لا تعرفُ دبلوماسيةَ البيان…
قوىً كبرى
تُتقنُ إدارةَ المشهد
لا إيقافَه،
تُطفئُ ضوءاً هنا
وتشعلُ حرباً هناك
ثم تسمّي ذلك “توازناً”.
يا ولدي…
لو كان العدلُ قراراً سهلاً
لما بقي طفلٌ في نشرةِ الأخبار
يُعلَّقُ على جدارِ العالم كرقمٍ جديد…
لكنّي أقول لك شيئاً أخيراً:
رغم هذا كله…
لا تُصدّق أن الصمتَ قدرٌ أبدي،
ولا أن الفرقةَ جذرٌ لا يُقتلع…
ففي قلبِ هذا الخراب
قد يولدُ جيلٌ
لا يكتفي بالبكاءِ أمام الشاشة،
بل يكسرُ الشاشةَ نفسها
إذا لزم الأمر…
ليُعيدَ للطفلِ
اسمهُ الكامل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى