
إن جِـئتَ تسـألُ عـن شُـمُـوعٍ لا تكُـفُّ عـن العَـطَــاء
أو جِـئـتَ تـسـألُ عـن يـنـابـيعِ الــمــحـبـــةِ , والـنــقـــاء
أو جِـئتَ تـســألُ عـن قـلـوبٍ صـافــيــاتٍ كالــسـمــاء
سأُجِـيـبُ : أمُّــكَ , ثـم أمُّــك , مَــعْ أبــيــكَ بــلا مِـــراء
وأقـــولُ : إن كِـلَــيْــهِـمَــا رَمْـــزُ الـبـســـالـةِ , والــفِــداء
وأُراهــمــا صَـــاغَــا الـوِئـــامَ , وشَــيَّــدا أنـقَـى بـــنـــاء
بــهـمـا الـحـيـــاةُ جـمـيـلــةٌ , وظـلـيــلــةٌ , وبـلا عَـــنَـــاء وهـما النعـيمُ السرمديُّ مدَى الحياةِ , وفي الفَـنَــاء
وهـمـا ســبــيــلُــكَ لـلصـــلاحِ , ولـلـفـــلاحِ , ولـلإبــــاء
وهـمـا طـريـقُــكَ لـلـمُــرُوءةِ , والـحفـاوةِ , والـوفــاء
وهـما نـجــاتُـك مـن بــلايــا الـدهــرِ بَـــدءًا , وانـتـهــاء
وهـمـا خلاصُكَ مـن عـقـوقِ بـنـيـكَ عـنـدَ الانـحــنــاء
فأبـوكَ , أمُّـــكَ فـيهـمـا حــبٌّ , وصــدقٌ , وانـتــمــاء
وأبـوكَ , أمُّـــكَ لـلـحـيـاةِ كـمـا الـمِـيــاهِ , وكالــهــواء
وأبـوكَ , أمُّــكَ حـكـمــةُ الحكـمــاءِ , رمــزُ الكـبـريـــاء
وأبـوكَ , أمُّــكَ بـلـســمٌ لـلـقــلــبِ , نــورٌ , واهــتــداء
كالـشـمـسِ تُرسِـلُ ضَـوْءَها للكونِ تمـنـحُـهُ البَـقَــاء
كالـبــدرِ حـيـنَ يَـهِـلُّ يَـغــشَـى كـونَـنَـا أَلَــقُ الـبَــهَــاء
كالزهـرِ حينَ يـفـوحُ تـنـتــشــرُ السكـيـنـةُ , والـهـنــاء
كالغـيـثِ يُعـطِي الـنـبـتَ رونـقَـهُ , ويَمنحُهُ النـمــاء
فـالأمُّ قــد حَـمَــلَـتْ شـهــورًا تـسـعــةً زمـنـــًا أســــاء
وَهْـــنـــًا عـلـى وَهْــــنٍ لــكــلٍّ مـنــهــمــا ألــــمٌ , وداء
والـضـعـفُ سَـيْـطَـرَ, والعَـناءُ اشـتـدَّ ضربًا بالـبِـنــاء
فَـتَـئِـنُّ حيـنًا كالـعـلـيـلِ , وســاعـةً يــبــدو الــشــفــاء
حتى أتـيـتَ كـمـا يجيءُ الـفَــرْحُ يـسـعَـى بالصـفـاء
وغَــدَوتَ بـعــدَ شـفــائِـهـا حــقـــلاً جــديـــرًا بــالـــولاء
وجعـلـتَ لـيـلَ حـياتِهـا شـمـسًـا تــشُـعُّ بــلا اخـتـفـاء
فـإذا مَـرِضْــتَ تـألَّـمـَـتْ , وأتَـى يُعـانِــقُـهــا الــبُـكـاء
وإذا شُـفِـيـتَ استبشَـرَتْ , وغـدتْ تفوقُ الأصفياء
وإذا اكـتَـأَبْـتَ تحـيَّـرتْ , وغـدا يـخاصـمُـهـا الـضـيـاء
وإذا ابـتـسَـمْـتَ تـألَّـقَـتْ , وأَتَــتْ تـبـاركُـهـا الـنـســاء
وإذا ذهـبـتَ الـشـوقُ يَـصعَـقُـهـا كَصَعـقِ الكَهْـرُبَاء
وإذا رجـعــتَ رأيـتَـهـا كالـطــفـلِ يُــســعِــدُهُ الـلـقـــاء
فغـدوتَ مِحـوَرَ هـمِّهَا, وغـدوتَ نجـمًا في السـماء
وأبـوكَ ظَــلَّ يَــحِــنُّ مــنـتـظــرًا قُـدُومَــكَ فـي رجـاء
يـدعــو , ويـأمــلُ أن تـكـونَ مُـحـصَّــنــا مـن كــلِّ داء
وبـقــلـبِـهِ خــوفٌ عـلـيـــكَ , فَــلَا يـــنــامُ كـمـا يــشـــاء
حـتـى أتـيتَ , فـصارَ يـنـشُـرُ فَـرْحَــهُ صُبـحًـا مَــسَـــاء
ومع الـزمانِ يـسـيـرُ خـلـفَـكَ , أو أمـامَــكَ بــانـتـشـاء
عـيـنـاهُ تخـتـرقـانِ جـسـمَـكَ , واهـتـمامَـكَ في ذكــاء
خـوفـًا عـلـيـكَ من السِّـقـامِ , ومن عـيونِ الأشـقــيـاء
ويـطـوفُ حـولَـكَ كالـسـيـاجِ يــخـافُ يُـؤذيـكَ الهـواء
ويـقـيـكَ قـبـلَ سِـواكَ حـرَّ الصيفِ , أو بــردَ الـشـتـاء
يـسـعَـى لأجـلِـكَ مُجـهَــدًا كي تسـتـريــحَ , ولا تُـسَــاء
ويـعـيـشُ يـشـقَـى في الحياةِ لكي تعـيشَ بلا شقاء
ويَـــمُـــدُّ كــلــتــا يــديـهِ نـحـوَكَ مـانـحـًا كـلَّ الـعــطــاء
ويُـريــــدُ مــنـــكَ تــفــوُّقــًا يـعــلــو ســـمـــاءَ الأذكــيـاء
حـتـى تــكــونَ ضــيــاءَهُ إن جــاءَ يــحـضـنُـهُ الـمـسـاء
فـأبـوكَ , أمُّـــك يُــشــرقــانِ عـلـى حـيــاتِــكَ بـالـرخـاء
بــل يَــسـطَـعَــانِ بــمــا يــزيـــدُكَ رِفــعَـــةً كـالأثــريــاء
ويُــعَــطِّــرانِ سِــنِـيـنَ عُــمْــرِكِ بـالــتَّــبَــرُّكِ , والـدُّعَـاء
ودُعـــــاءُ أيِّــهـِــمَـــا دُعـــــاءٌ مُـــســـتَــــجَــــابٌ لا مِـــــراء
وإذا أردتَ تـــنـــالُ مـــغــفـــرةً , وعــفــوًا , واهـــتـــداء
فـأطـعْـهُـمَـا حُـــبًّــا , وإحــســـانـــًا , وبِــــرًّا , وارتــضــاء
وأطــعْــهُــمَـــا حـتــى يـــقـــيـــكَ اللهُ شَـــــرَّ الابـــتــــلاء