رؤي ومقالات

حسام السيسي يكتب :المنطقة لا تريد قائداً: لماذا يخشى الخليج وإيران من نهوض مصر الحقيقي؟

دعني أخبركم شيئاً لن يقال في النشرات الإخبارية ولا في البيانات الرسمية: الخليج وإيران لم يكونا يوماً “حماسيين” لدور مصري، حتى عندما كانت مصر تغطي ديونها بالذهب .
ما نراه اليوم من “تجاهل” للدور المصري ليس وليد الأزمة الاقتصادية الحالية. الأزمة الاقتصادية مجرد غطاء، وقشّة قالها الجمل لتبرير ظهره الذي كان مثقلاً أصلاً.
لست هنا أكتب دفاعاً عن النظام ولا هجوماً عليه، بل هو محاولة لتفكيك لعبة معقدة: لعبة “المنطقة التي لا تريد قائداً”، و”مصر التي لا تعرف كيف تلعب بأوراقها”، و”الكل يريد أن يكون القائد، لكن لا أحد يريد أن يدفع ثمن القيادة”.
لنبدأ بالتاريخ لأنه لا يكذب: مصر لم تكن يوماً “محبوبة” في الخليج. الحقيقة المرة أن الخليج احتاج مصر، ولم يحبها أبداً.
في الخمسينات والستينات، كان عبدالناصر “كابوساً” للأنظمة الخليجية، ليس لأنه كان اشتراكياً، بل لأنه كان شعبوياً، وكان له جماهير في الشوارع الخليجية قبل أن يكون للحكومات الخليجية رأي.
في السبعينات، بعد كامب ديفيد، تعامل الخليج مع السادات كـ”خارج عن الصف”، وعوقبت مصر اقتصادياً وسياسياً. لكن عندما جاءت حرب الخليج الأولى (1980-1988)، عادوا إلى مصر يسألونها: “أين جيشك؟” في التسعينيات، شاركت مصر في تحرير الكويت، وحصلت على شيك شكر، ثم عاد التهميش.
وفي العقد الأول من الألفية، كان مبارك “الرجل القوي” الذي يمسك العصا من المنتصف، والخليج كان يتعامل معه كـ”حارس البوابة الشمالية”، لكن من دون أن يتركوه يقود أي مبادرة إقليمية دون موافقتهم. : العلاقة الخليجية-المصرية كانت دائرة مفرغة – الخليج يحتاج مصر في الأزمات، ويتجاهلها في الهدوء، ويخاف منها إذا قويت، ويحتقرها إذا ضعفت.
وهنا يأتي السؤال: هل الأزمة الاقتصادية هي السبب الحقيقي لتجاهل الدور المصري؟ يقول البعض: “مصر ضعفت اقتصادياً، لذلك فقدت ثقلها السياسي”. هذا كلام جميل، لكنه يكذب على التاريخ. إيران تخضع لعقوبات اقتصادية خانقة منذ 1979، ومع ذلك تملي شروطها في أربع عواصم عربية (بغداد، دمشق، بيروت، صنعاء).
تركيا تعاني من تضخم يصل إلى 80% في بعض السنوات، لكنها تخوض عمليات عسكرية في ثلاث دول (سوريا، العراق، ليبيا). باكستان دولة مفلسة، لكن سلاحها النووي يجعل العالم يحسب لها ألف حساب. كيف؟ لأن الثقل السياسي ليس معادلة GDP = Influence.
الثقل السياسي يُبنى على الإرادة (الاستعداد لدفع الثمن)، والأدوات (الجيش، الجغرافيا، السكان، التحالفات)، والرسالة (هل لديك مشروع إقليمي يقنع الآخرين بالاصطفاف خلفك؟). مصر تملك الأدوات: الجيش التاسع عالمياً، قناة السويس، 110 ملايين نسمة، موقع يطل على ثلاث قارات. لكنها تفتقر اليوم إلى الإرادة والرسالة.
متى كانت آخر مرة قالت فيها مصر “لا” للخليج أو لأمريكا أو لإسرائيل، ودفعت الثمن؟ ليس منذ زمن بعيد. وما هو المشروع المصري للمنطقة؟ “الدولة العميقة”؟ “محاربة الإرهاب”؟ “التطبيع مع إسرائيل”؟ هذه عناوين دفاعية، وليست مشروعاً طموحاً يجذب الآخرين.
لذلك، عندما تقول دول الخليج اليوم: “مصر ضعيفة اقتصادياً، لذلك لا نأخذها بجدية”، فهذا تبرير وليس سبباً. السبب الحقيقي هو أن مصر لا تقدم بديلاً استراتيجياً مقنعاً. والأزمة الاقتصادية جاءت لتؤكد للخليج أن “الركون إلى مصر” ليس استثماراً آمناً.
هنا تظهر المفارقة الأعمق: الخليج يحتاج إلى قائد إقليمي، لكنه لا يريد أن يكون هذا القائد قوياً بما يكفي ليتحداه. خلال العقود الماضية، كان “القائد الإقليمي” هو أمريكا.
أمريكا وفرت الأمن للخليج، وحمت مصادره النفطية، وقمعت أي تهديد إقليمي. لكن أمريكا اليوم تنسحب تدريجياً، وتعلن أن “الشرق الأوسط ليس أولويتها”. إذن، من سيملأ الفراغ؟ إيران؟ الخليج يخاف من المشروع الإيراني التوسعي. تركيا؟ الخليج يتوجس من النزعة العثمانية الجديدة وأيضاً من علاقاتها مع الإخوان المسلمين. إسرائيل؟ لا يمكن أن تكون قائداً لدول عربية، حتى مع التطبيع.
يبقى مصر الخيار الأقل سوءاً. لكن مصر، لكي تكون قائداً، يجب أن تكون قوية. والخليج، وهو الذي يطلب القائد، يخاف من أن تكون مصر قوية جداً.
هذا هو المأزق: الخليج يريد جيشاً مصرياً يحميه، لكنه لا يريد قيادة مصرية تملي عليه سياساته. يريد اقتصاداً مصرياً قوياً ليكون سوقاً آمناً لاستثماراته، لكنه لا يريد منافسة مصرية على النفوذ الإقليمي. الحل في نظر الخليج؟ إبقاء مصر في حالة ضعف مُدار، قوية بما يكفي لردع إيران، وضعيفة بما يكفي لعدم المطالبة بدور قيادي حقيقي. وهذا ما يحدث اليوم بالضبط.
أما إيران، فموقفها أبسط: مصر عدو محتمل، والتطبيع مع إسرائيل يؤكد ذلك يومياً. لكن حتى إيران لا تريد حرباً مع مصر. تريد أن تبقى مصر مشغولة بأزماتها الداخلية، ولا تتدخل في مناطق نفوذها (العراق، سوريا، لبنان، اليمن). المفارقة أن إيران تتعامل مع مصر بازدراء اليوم، لكنها تعلم أن مصر لو صحت هي الدولة العربية الوحيدة التي تملك القدرة على مواجهة المشروع الإيراني عسكرياً وثقافياً ودبلوماسياً.
لذلك، سياسة إيران تجاه مصر هي سياسة “التهديد الناعم”: لا تهديد مباشر يدفع مصر للرد، لكن دعم مستمر للوكاء في المنطقة الذين يزعزعون استقرار الجوار المصري (السودان، غزة، ليبيا).
وإيران تراهن، مثل الخليج، على استمرار الضعف المصري. لأن مصر القوية تعني فقدان النفوذ في غزة (حيث تتنافس إيران مع مصر عبر حماس)، وفقدان النفوذ في ليبيا (حيث تتنافس مع مصر عبر الميليشيات الموالية لأنقرة)، وفقدان النفوذ في السودان . إذن، الخليج وإيران، رغم عداوتهما، يجتمعان على شيء واحد: مصر القوية ليست في مصلحتهما.
وهنا نصل إلى الحقيقة التي لا يجرؤ أحد على البوح بها: #الشرق_الأوسط اليوم لا يريد قائداً واحداً، بل يريد فوضى مدارة.
#السعودية تريد أن تكون القائد الإقليمي (رؤية 2030، التحالف مع أمريكا، مواجهة إيران). #الإمارات تريد أن تكون القائد الاقتصادي (المركز المالي، الموانئ، التكنولوجيا). #قطر تريد أن تكون القائد الإعلامي والدبلوماسي (الجزيرة، الوساطات، العلاقات مع الجميع).
#تركيا تريد أن تكون القائد العسكري والسياسي (الناتو، مشروع الطائرات المسيّرة، العمليات عبر الحدود). #إيران تريد أن تكون القائد الأيديولوجي (محور المقاومة، التوسع الشيعي). إسرائيل تريد أن تكون القائد الأمني (القبة الحديدية، التحالفات الإقليمية، الضربات الاستباقية).
في هذا المشهد المزدحم، لا مكان لقائد واحد. كل يريد أن يقود في مجاله، وأن يتشارك مع الآخرين في المجالات الأخرى.
#مصر، التي كانت معتادة على القيادة الشاملة، تجد نفسها اليوم غريبة عن هذا النظام الجديد. إنها مثل لاعب كرة قدم عظيم اعتاد أن يلعب في كل المراكز، وفجأة اكتشف أن الفريق قرر أن يلعب بطريقة “توتال فوتبول” حيث لا قائد، بل كل يركض خلف الكرة.
لكن لا أريد أن أنهي هذا التحليل بنبرة تشاؤمية. مصر لا تزال تملك أوراقاً لو لعبت بشكل صحيح، قد تعيدها إلى الطاولة.
الورقة الأولى: الجغرافيا. مصر هي بوابة أفريقيا، وهي جسر آسيا، وهي حارس البحر المتوسط.
في عالم تتسارع فيه التنافسات على الممرات المائية والتجارية، موقع مصر لا يُقدّر بثمن.
قناة السويس، إذا أُحسن إدارتها سياسياً (وليس فقط اقتصادياً)، يمكن أن تكون سلاحاً ضاغطاً هائلاً.
الورقة الثانية: الجيش. الجيش المصري ليس مجرد أرقام على ورقة. هو مؤسسة وطنية ذات مصداقية داخلية، وهو أحد الجيوش القليلة في المنطقة التي تملك خبرة في العمليات المشتركة والتحالفات الدولية. إذا قررت مصر أن يكون جيشها “فاعلاً” في الإقليم (وليس فقط “مدافعاً”)، سيتغير المعادلة.
الورقة الثالثة: السكان. 110 ملايين نسمة ليسوا مجرد أرقام. هم سوق استهلاكي ضخم، هم قوة عاملة شابة، هم جيش احتياطي لا ينضب. إذا استطاعت مصر أن تحول هذا “العبء الديموغرافي” إلى “قوة ديموغرافية” (من خلال التعليم، والصحة، والتشغيل)، فستصبح جاذبة للنفوذ وليس طاردة له. الورقة الرابعة: الأزمة نفسها.
أحياناً، القاع هو أفضل نقطة انطلاق. مصر اليوم في وضع لا تحسد عليه: ديون خارجية خانقة، تضخم جامح، جمود سياسي. لكن هذا الضعف يمكن أن يكون قوة إذا استُخدم كحافز للتغيير الجذري. الأمم التي انطلقت من رماد الهزائم (ألمانيا بعد الحربين، اليابان، الصين، فيتنام) هي التي صنعت أعظم النهضات. الورقة الخامسة: الغضب الشعبي الصامت. الشعب المصري، رغم كل ما يعانيه، لم ينهض بعد. لماذا؟ لأنه لا يرى بديلاً. لكن إذا ظهر مشروع سياسي واقتصادي مقنع، إذا ظهر قائد لا يخاف من “لا”، إذا ظهرت نخبة تعرف أن القيادة لا تُعطى بل تُؤخذ، فالشارع المصري سينتفض ليس ضد أحد، بل من أجل مصر.
الرسالة الأخيرة لمن يعتقد أن مشكلة مصر هي “الخليج وإيران فقط”: أنت مخطئ. المشكلة الأكبر هي أن مصر نسيت كيف تكون مصر.
الدول لا تنتظر أن تقدم لها جاراتها أدواراً. الدول تأخذ أدوارها. الصين لم تنتظر أمريكا أن تمنحها دوراً، بل صنعته بقوتها الاقتصادية. تركيا لم تنتظر الناتو أن يمنحها دوراً، بل صنعته بقوتها العسكرية.
إيران لم تنتظر أحداً، بل صنعت دورها بقوة وكلائها وإصرارها. ماذا فعلت مصر في السنوات العشر الماضية لتأخذ دورها؟ انتظرت مساعدات الخليج. انتظرت موافقة أمريكا على أي خطوة. انتظرت ألا تغضب إسرائيل. انتظرت أن تأتي الأزمة لتتحرك. هذا ليس دور القائد.
هذا دور التابع. لذلك، قبل أن تلوم الخليج وإيران، اسأل: هل مصر اليوم قادرة على قيادة نفسها، فتقود الآخرين؟ أم أنها ما زالت تنتظر أن ينقذها أحد؟ الخيط الرفيع هنا ليس بين الحرب والسلام، بل بين الوعي والغفلة. ومصر، منذ عقود، تغفو على وسادة الأحلام، وتستيقظ على كوابيس اليقظة. حان وقت الاستيقاظ الحقيقي.
لا لليأس، بل للعمل. لا للبكاء على الماضي، بل لصنع المستقبل. لأن المنطقة لا تريد قائداً اليوم، لكنها ستحتاج واحداً غداً. والسؤال: هل ستكون مصر مستعدة حينها؟ أم ستبقى كما هي اليوم تتفرج على العالم يمر من فوقها، وتظن أن “الثقل” يعني الجلوس على الكرسي، وليس تحريكه؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى