كتاب وشعراء

سماءٌ مالحةٌ في قاع الجُبّ….بقلم أحمد بشير العيلة

.
في أسفل تلك الحفرة
ينبت حزني مخنوقاً
في قاع البئر الجاف
إني طينٌ من وجع الدنيا
ألقوه بجُبٍ كي لا ينبت فيه العشب
لا سيارةَ تعبر
لا حبل تدلى كي أخرج من هذا الحزن
لا من يسأل عن أي وجودٍ لي
لا من يكتب أني كنت هنالك أرعى سحب العالم بالأشعار
ذات نهار
لا من يذكرني حتى خطأً في أي حديثٍ عابر
إني المُلقَى في قاع الجُّبِّ أمارسُ دورة حزنٍ كاملةً
أصنعُ في ذاك القعر سماءً أنسجها بخيوط عناكب تكثر حولي
أُلقِي كبذارٍ وهميٍّ بضعة أجرامٍ صنعتْها كفاي من الصلصال المجبول بدمعي
وأضعها فوق مدار اللعنات
أرعى في ذاك البئر النكرات
أُطلِق فوق حضيض الروح شياهي المشبوهةِ
تقتات الحسرةَ من بشرٍ ليسوا لي
فأمدّ يدي اليمنى منسأةً
أتكئُ عليها
وأهش بها تلك الظلمات
ولي فيها بضعة آيات
أصنع بيديَّ المهزومةِ دنياي الأصغر من حبة خردل
وعسايَ بهذي البذرة أفضل
في الأسفل حيث الإنسانُ بلا أجنحةٍ
والأفكارُ بلا ورقٍ أخضرَ يُطعِمها
والنبضاتُ بلا ماءٍ يسقيها
والخطواتُ بلا طرقٍ تحملها
أُجبِر عودي أن يكتب فوق الطين اللازب “إني أحيا”
لا وطنَ لكل كياني الإنسانيّ المدفون بهذا الغور الساحق
لا أهلَ حواليّ ولا أي رفاق حتى من ديدان الأرض
لا أضواءَ أقاسمها جوعي
ولا أصواتَ تقاسمني عطشي
إني الضوءُ المدفون على بعدٍ أسطوريٍّ في طبقات الأمم الكبرى
كم حاولتُ بأن أصبح بذرة زيتونٍ تطلق بعض رسائلها في أعمق وجعٍ إنسانيّ
حاولتُ بأن تنبت أنويتي المدفونةُ في كل خلاياي نخيلاً
لكنْ.. لا ماء يخلصني من هذا الموت
في تلك الهوة لم يسمعْني أحدٌ وأنا أتلو آيات وجودي
في الهوة أُتقِن عدّ الأنفاس الضائعة من الجسد الهارب مني
وعدّ النبضات الراحلة إلى اللاشيء
في الهوةِ أتعلم فن نمو الكلمات إلى صرخات
في لغتي الناقمة على الدنيا
سرب خفافيش يسكنها
يصعد من أناتي لحوافٍ أعلى من كل طموحي
يقيس البعدَ الآبق بين حضيضي وحواف البئر
إني أبعدُ من نجمٍ محبوسٍ في ثقبٍ أسود
لكن في هذا المنفى الأبدي الملعون
يحاول دوماً أن يصمد…
.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى